تأملات في سورة العاديات
دروس في الوفاء خيل يضحي وإنسانٍ "كنود"
تتجلّى الاستراتيجية البيانية في القرآن الكريم حين يصيغ من المشاهد الحسّية مرايا عاكسة لأغوار النفس البشرية، ولا يضرب الله الأمثال في كتابه عبثاً، بل ليجعل من "الخيل" التي لا تنطق حجةً على" الإنسان العاقل" الذي غلبه جحوده. في سورة العاديات، يبرز هذا التوظيف الجمالي والتربوي في أبهى صوره؛ حيث يُقدم البيان الإلهي صدمةً شعورية تهز الوجدان، مُستخدماً الخيل كنموذج أخلاقي يرتقي فوق غريزته، ليضع الإنسان العاقل في مقام المساءلة والخجل أمام مرآة الوفاء المطلق.
يستهل الحق سبحانه السورة بقسمٍ يخلع القلوب، فتنهمر الآيات بإيقاعٍ صوتي لاهث يحاكي حركة الخيل في الميدان، حيث ينتهي الفاصل الزمني لكل آية بحرف "الحاء" المتبوع بألف المد، في جرسٍ موسيقي يجسد أنفاس الخيل المجهدة: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾. إن "الضبح" هنا ليس مجرد صوتٍ عابر، بل هو نشيج الأنفاس حين يشتعل الصدر ويحترق من فرط الركض والجهد؛ إنه صوت احتراق الكيان في سبيل الغاية، مما يمهد لتعظيم قيمة التضحية التي يبذلها هذا الكائن في سبيل "قائده".
ثم ينتقل المشهد من المستوى السمعي إلى تجسيدٍ حركي وبصري مذهل، حيث تتحول السرعة القصوى إلى شرارات تخرق عتمة الغبش: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾. هنا يلتقي لهيب الصدر بنور الأقدام؛ فبينما تحترق الصدور بالضبح، تشتعل الأرض بالقدح نتيجة احتكاك الحوافر بالصخر. ثم يأتي قوله تعالى: ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾، ليؤكد أن هذا الاندفاع ليس استتاراً بليل، بل هو اقتحامٌ في وضح النهار حيث تنكشف المخاطر وتتجلى الردى. إن هذا المشهد المركب—نارٌ في الأنفاس ونارٌ تحت الحوافر واقتحامٌ للموت في ضياء الصبح—يعكس إدراكاً فطرياً من الحيوان لعظمة المعركة، ومع ذلك لا يتراجع ولا يسخط، بل يمضي وفاءً لمن يرعاه.
وتصل ذروة التضحية إلى مقامٍ يُعجز الوصف في قوله: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا * فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾. نرى هنا الخيل وهي تثير "النقع" وهو الغبار الكثيف، فيصبح الهواء الذي تستنشقه رئتاها المحترقتان خليطاً خانقاً من التربة والحرارة. إنها تضحية وجودية عجيبة؛ ففي اللحظة التي تحتاج فيها الخيل إلى نسمة هواء تبرد لظى صدرها، لا تجد إلا غباراً تستنشقه، ومع ذلك تأبى إلا أن تتوسط "الجمع"، وهو مركز المعركة وأخطر مقامات الهلاك. هذا الثبات الأسطوري لا يصدر عن غياب وعي، بل عن وفاءٍ محض وامتنانٍ فطري لقائدٍ يتولى أمرها.
وهنا، يقع التحول المفاجئ والصادم في السياق القرآني، فبعد هذا الاستعراض الملحمي لوفاء الخيل، يأتي جواب القسم ليفضح عوار النفس البشرية: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾. والمصطلح المحوري "الكنود" هو ذروة المأساة النفسية، وهو الساخط الذي يعدّ المصائب وينسى النعم. وهنا تبرز المفارقة التي تشطر الروح: الخيل تضحي بروحها وتستنشق الغبار وتقتحم النار من أجل "قائدٍ" كل ما يفعله هو أنه يطعمها ويسقيها، وهو لم يخلق لها سمعاً ولا بصراً ولا حوافراً، ومع ذلك تهرع لهلاكها امتناناً له. أما الإنسان، فيجحد فضل "خالقٍ" أوجد فيه الحواس وسخر له الكون، فإذا ما مسّه كدرٌ عابر، نسي فيض الآلاء وراح يشتكي ربه.
إن الخاتمة التي تسوقنا إليها سورة العاديات هي وقفة خجلٍ أمام مقام الربوبية. فإذا كانت "العاديات" قد علمتنا أن الوفاء يُقاس بالثبات في الضيق واقتحام المخاطر شكراً لمن أحسن، فإن جحود الإنسان "الكنود" يبدو بشعاً ومقززاً في سياق المقارنة. إنها دعوة لإعادة تقييم علاقتنا بالخالق؛ فكيف يسبقنا حيوان إلى مقام الامتنان وهو لا يملك وعداً بجنة ولا خوفاً من نار؟ إن الرسالة النهائية تضعنا أمام مسؤوليتنا الأخلاقية: ألا نكون أقل وفاءً من خيلٍ أحرقت صدرها وفاءً لمن لم يخلقها، بينما نحن نجحد من أوجدنا من العدم.
الأستاذ: بشار محمد الدليمي







إرسال تعليق