الأصل التاريخي لمصطلح النصب وكيف انتقل من الشيعة إلى أهل السنة
1. مقدمة: فك شفرة مصطلح ”الناصبي“
تكمن أهمية دراسة المصطلحات العقدية في فهم أصول الخطاب الديني وتطوراته، حيث يمكن لاستيراد مصطلح من فكر إلى آخر أن يعيد تشكيل الجدل ويؤثر بشكل عميق على منهجيات التصنيف والحكم. ويعد مصطلح "الناصبي" مثالًا بارزًا على هذه الظاهرة، فهو مصطلح شيعي ذو تاريخ معقد ومثير للجدل. تتبع هذه الدراسة المسار التاريخي لهذا المصطلح، بدءًا من نشأته الشيعية الصرفة، مرورًا بتسلله إلى معجم أهل السنة، وانتهاءً بتحليل التبعات الفكرية التي ترتبت على هذا التبني. الحجة المركزية التي سيتم استخلاصها هي أن مصطلح "الناصبي" هو في جوهره مصطلح شيعي المولد تم استيراده وتبنيه لاحقًا من قبل بعض جماعة السُنة، مما أدى إلى تشويش في الخطاب وتوسيع لدائرة الاتهام بغير وجه حق. وسنبدأ بحثنا بتحديد المصدر الأول الذي انطلق منه هذا المصطلح.
2. النشأة والتأسيس: السيد الحميري و ولادة المصطلح
إن تحديد المصدر الأول لأي مصطلح يعد خطوة أساسية لفهم دوافعه الأيديولوجية الأولية وسياقه الأصلي. وفي حالة مصطلح "النصب"، فإن تتبعه يقودنا إلى شخصية محددة في القرن الثاني الهجري، والتي تعتبر المسؤولة عن ولادة هذا المفهوم في الساحة الفكرية الإسلامية.
بناءً على أقدم النصوص المتوفرة، يُعتبر الشاعر السيد الحميري أول من استخدم مصطلح "ذو النصب" بشكل صريح. ولمعرفة السياق الذي وُلد فيه المصطلح، من الضروري التعريف بهذه الشخصية المثيرة للجدل:
• اسمه الكامل: إسماعيل بن محمد بن يزيد بن مفرغ الحميري.
• لقبه وكنيته: أبو هاشم، الملقب بالسيد.
• فترة حياته: وُلد سنة 105 هـ، وتوفي بين عامي 173 و 179 هـ.
• انتماؤه المذهبي: وُصف بأنه "شاعر رافضي جلد على مذهب الكيسانية".
• طبيعة شعره وسلوكه: كان "أكثر شعره في علي وأهل بيته"، لكنه "أفرط في سب الصحابة وقذف أمهات المؤمنين"، كما "اشتهر بشرب الخمر“ عليه لعنة الله.
وقد ورد استخدام المصطلح في أحد أبياته الشعرية التي تعتبر أقدم شاهد نصي على وجوده، حيث قال في مدح ( حسن وحسين ):
وما يجحد ما قد قلت في السبطين إنسان
وإن أنكـر ذو الـنصـب فعنـدي فيه برهان
وبناءً على تاريخ وفاة الحميري، يمكن الاستنتاج بأن الولادة المرجحة للمصطلح كانت في القرن الثاني الهجري، وأن نشأته كانت شيعية بشكل واضح، ارتبطت بسياق جدلي يهدف إلى وصم المخالفين في الرأي تجاه علي وأبناءه. وهكذا، وُلد المصطلح في رحم الغلو الشيعي كأداة لهدم الصحابة، ليبدأ رحلة عجيبة ستنتهي به كأداة تُستخدم بين أهل السنة أنفسهم.
3. الانتقال والاختراق: كيف دخل المصطلح إلى معجم أهل السنة؟
غالبًا ما تشهد الساحات الفكرية المتنازعة ديناميكية انتقال للمصطلحات، حيث يمكن لمصطلح يبدأ كأداة هجومية من طرف أن يتم استيعابه وتوظيفه لاحقًا من قبل الطرف الآخر. وهذا بالضبط ما حدث لمصطلح "الناصبي"، الذي ظل مهجورًا في الأوساط السُنية خلال القرنين الأول والثاني، قبل أن يدخل دائرتهم في القرن الثالث الهجري في عملية يمكن وصفها بأنها "استقطاب واستيراد". وقد مر هذا التبني بمرحلتين رئيسيتين:
أ. الموقف الأول: الرفض والتحذير ( ابن المديني )
يُعد الإمام علي ابن المديني (المتوفى 234 هـ) من أقدم أئمة أهل السنة الذين تناولوا هذا المصطلح، ولكن موقفه كان موقف الرفض والتحذير. فقد أدرك الأصل الطائفي للمصطلح واستخدمه كدليل يكشف هوية مستخدمه، حيث قال مقولته الشهيرة التي تضع قاعدة في كشف الانتماءات عبر المصطلحات:
"من قال فلان مشبه علمنا انه جهمي، ومن قال فلان مجبر علمنا انه قدري، ومن قال فلان ناصبي علمنا انه رافضي"
تدل هذه المقولة بوضوح على أن ابن المديني اعتبر أن إطلاق تهمة "النصب" على الآخرين هو في حد ذاته علامة على الانتماء إلى الفكر الرافضي. لقد استخدم المصطلح ضد مستعمليه، معتبرًا إياه مؤشرًا على هوية المتكلم لا على حقيقة المتهم، وهو ما يمثل رفضًا صريحًا للمصطلح وعدم الإعتداد به.
ب. بداية التبني والقبول (الذهلي وأبو زرعة الرازي)
بعد فترة وجيزة، بدأ المصطلح يُستخدم بشكل مختلف يُظهر بداية القبول والتبني له داخل الخطاب السني. فقد استخدمه محمد بن يحيى الذهلي (المتوفى 258 هـ)، من أقران البخاري، في سياق تحذيره من الخوض في علم الكلام مع البخاري، حيث خشي من وقوع الخلاف، فقال: "وشمت بنا كل ناصبي ورافضي". هذا الاستخدام يضع المصطلحين على قدم المساواة كخصمين فكريين، مما يمثل بداية لدمجه في المعجم السُني.
أما الاستخدام الأخطر والأكثر تأثيرًا فجاء على لسان أبي زرعة الرازي (المتوفى 264 هـ)، الذي وظف المصطلح كأداة للحكم على المخالفين داخل أهل السُنة أنفسهم، حيث قال:
"وإذا رأيت الشامي يطعن على مكحول والأوزاعي فلا تشك أنه ناصبي"
يُعد هذا الاستخدام تحولًا خطيرًا، إذ يثير تساؤلًا منهجيًا عميقًا: لماذا يستورد شيخ من أهل السنة مصطلحًا رافضي المولد والنشأة ليوظفه في الخلافات الداخلية؟ إن هذا التبني يمثل بداية لإضفاء الشرعية على مصطلح دخيل واستخدامه كأداة للتصنيف العقدي بين أهل السُنة. لقد مهّد استخدام الذهلي وأبي زرعة الطريق لانتشار المصطلح على نطاق واسع في القرون التالية، ليتحول من مصطلح دخيل مرفوض إلى تهمة شائعة ومتداولة، وهو ما ستتجلى عواقبه بوضوح لاحقًا.
4. التبعات والتوسع في الاستخدام: تحول "الناصبي" إلى تهمة شائعة
إن تبني المصطلحات الدخيلة غالبًا ما يؤدي إلى توسيع دلالاتها وتوظيفها في غير سياقاتها الأصلية، وهو ما حدث بالضبط لمصطلح "الناصبي" بعد القرن الثالث الهجري. فبعد أن تم قبوله من قبل بعض الفقهاء، أصبح المصطلح شائعًا ومنتشرًا في القرن الرابع الهجري وما بعده، وهو ما يمثل، من منظور منهجي، نجاحًا للخطاب الرافضي الشيعي في فرض أحد مصطلحاته المركزية داخل الحقل الفكري السُني.
وقد توسعت المعايير التي صار يُتهم بموجبها الشخص بأنه "ناصبي" لتشمل طيفًا واسعًا من المواقف النقدية تجاه علي بن أبي طالب، ومنها:
• الاعتراض على أي عمل قام به علي بن أبي طالب.
• تخطئته في موقفه من خلافة أبي بكر وتأخره عن البيعة.
• تخطئة علي في خلافه مع أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.
• تخطئة علي في معركة الجمل أو صفين.
- بيان أي حديث ضعيف في فضائل علي بن أبي طالب.
- تخطئة خروج حسين بن علي للكوفة لقيادة تمرد ضد الدولة.
- بيان أي حديث ضعيف في فضائل حسن وحسين.
إن هذا التوسع في الاستخدام يعني ضمنيًا المطالبة بعصمة علي بن أبي طالب، بحيث يصبح أي نقد موجه إليه، مهما كان موضوعيًا أو تاريخيًا، سببًا كافيًا لوصم صاحبه بالنصب. هذا التحول خلق إشكالية منهجية عميقة، حاول بعض النُقاد المحققين تفكيكها لاحقًا، وعلى رأسهم الشيخ ابن تيمية.
5. تفكيك الإشكالية: رؤية ابن تيمية في التفريق بين النقد والطعن
في خضم التوسع في استخدام مصطلح "الناصبي"، تبرز أهمية التمييز بين النقد التاريخي المبني على وقائع وبين الطعن العقدي المطلق. وقد قدم الشيخ ابن تيمية في كتابه "منهاج السنة النبوية" إطارًا تحليليًا دقيقًا لهذا التمييز، عبر المقارنة بين مكانة الخلفاء الثلاثة ( أبي بكر، وعمر، وعثمان ) ومكانة علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين.
يوضح ابن تيمية أن الطعن في الخلفاء الثلاثة ليس كالاختلاف مع علي، وذلك لوجود فروق جوهرية في طبيعة الإجماع حولهم وطبيعة الأحداث التي وقعت في عهودهم. ويمكن تلخيص رؤيته في الجدول التالي:
الخلفاء الثلاثة (أبو بكر وعمر وعثمان نموذجا) | علي بن أبي طالب |
أجمع على مودتهم عامة الصحابة والتابعين. | اختلف معه أمهات المؤمنين و كثير من الصحابة والتابعين. |
لم يطعن فيهم إلا الروافض ومن على شاكلتهم. | كان البعض من الصحابة والتابعين يبغضونه ويسبونه ويقاتلونه. |
لم يقتل أبو بكر مسلمًا على ولايته. | قاتل على الولاية حتى قُتل المسلمون. |
لم يحدث في ولايتهم إلا خير وفتوحات. | لم يحصل في مدة ولايته إلا شر وفتنة للمسلمين وتوقفت الفتوحات. |
يستنتج ابن تيمية من هذه المقارنة أن الطعن في الخلفاء الثلاثة هو منهج حصري للروافض، لأن إجماع الصحابة والتابعين كان منعقدًا على محبتهم وتقديرهم. في المقابل، فإن الاختلاف مع علي أو نقد بعض مواقفه له سابقة عند أمهات المؤمنين و الصحابة والتابعين أنفسهم. وبالتالي، فإن الطعن في الخلفاء الثلاثة هو علامة الرفض لأنه خرق للإجماع، بينما نقد اجتهاد عليٍّ لا يستلزم بالضرورة النصب، لأن الخلاف معه له أصل بين السلف أنفسهم.
6. خلاصة: مخاطر المصطلحات المستوردة
كشف البحث حول مصطلح "الناصبي" عن مسار معقد، بدأ كابتكار شيعي خالص في القرن الثاني الهجري على يد شاعر رافضي شيعي خبيث، ليتحول بعد قرن من الزمان إلى أداة جدلية تم استيرادها وتوظيفها بشكل واسع، وأحيانًا بشكل غير دقيق، في الفكر السُني.
يؤكد هذا البحث الحجة المركزية لهذه الدراسة: أن تبني مصطلحات الخصوم بنفس دلالاتهم يؤدي حتمًا إلى تشويش في المنهج، وتوسيع لدائرة الاتهام بغير وجه حق، وقد يوقع المرء في تبني لوازم فكرية لم يكن يقصدها. إن الوعي بتاريخ المصطلحات، وتدقيق دلالاتها، والتمسك بالمصطلحات الشرعية الأصيلة، يمثل ضرورة منهجية للحفاظ على الخطاب الشرعي من التأثر بالمصطلحات التي نشأت في سياقات جدلية معقدة.
المصادر:
كتاب النصب والنواصب - بدر بن ناصر العواد
كتاب منهاج السُنة النبوية - للشيخ إبن تيمية
كتاب شقوق في جدار السُنة - د. طه حامد الدليمي
إعداد البحث..
أبوالحارث الدليمي







إرسال تعليق