حديث الأريكة ضعيف .. القرآن ومثله معه!
للأسفِ الشديد، أصبح كثيرٌ من أتباعِ أهلِ السُّنَّة في هذا الزمانِ يُصدِّقون كلَّ ما يُروى لهم أو يقرؤونه، دون تدبُّرٍ أو تفكُّرٍ أو إعمالٍ للعقل، بل يكتفون بالتلقِّي المجرد، وكأنَّ العقلَ خُلقَ ليُعطَّل لا ليُستَخدم.
ومن أخطر ما يُتداول في هذا الباب قولُ بعضهم: إنَّ السُّنَّةَ وحيٌ ثانٍ مساوٍ للقرآن، وإنَّ النبيَّ ﷺ يُحرِّم من عند نفسه كما يُحرِّم الله، وإنَّ مَن أنكر ذلك فهو مخالفٌ لدين الله، إلى غير ذلك من العبارات الخطيرة، ولا سيما في مسائل الاعتقاد.
وقد كان من أبرز الأسس التي بُني عليها هذا الفهم المختلّ ما يُعرَف بـ حديث الأريكة المشهور.
وسنُبيِّن – بعون الله وتوفيقه – بُطلان هذا الفهم وخطورةَ هذا الحديث من وجوهٍ عدَّة، نقلًا وعقلًا، متنًا وسندًا.
نصُّ الحديث
روى أبو داود في سُننه قال:
حدَّثنا عبدُ الوهاب بنُ نَجدة، قال: حدَّثنا أبو عمرو بنُ كثيرِ بنِ دينار، عن حُريزِ بنِ عثمان، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي عوف، عن المقدامِ بنِ معدي كَرِبٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ:
«ألا إنِّي أُوتيتُ القرآنَ ومِثْلَهُ معه، ألا يُوشِكُ رجلٌ شبعانُ على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلالٍ فأحِلُّوه، وما وجدتم فيه من حرامٍ فحرِّموه، وإنَّ ما حرَّم رسولُ الله كما حرَّم الله. ألا لا يَحِلُّ لكم الحمارُ الأهليُّ، ولا كلُّ ذي نابٍ من السِّباع، ولا لُقَطةُ مُعاهَدٍ إلَّا أن يستغنيَ عنها صاحبُها، ومن نزل بقومٍ فعليهم أن يُقروه، فإن لم يُقروه فله أن يُعقِبَهم بمثلِ قِراه».
أولًا: من حيثُ المتن
هذا الحديث يُخالِفُ نصوصًا قطعيَّةً من كتاب الله، منها قولُه تعالى:
﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾
(الإسراء: ٨٨)
فالآيةُ نصٌّ صريحٌ في تفرد القرآن، واستحالة الإتيان بمثله، سواء أكان من الإنس أم الجن، أنبياء أو غيرهم.
فكيف يُجمع بين قوله تعالى: ﴿لا يأتون بمثله﴾، وبين قول الحديث: «أُوتيتُ القرآنَ ومثله معه»؟
وهذا التعارضُ وحده كافٍ لإسقاط الحديث متنيًّا، فضلًا عن وجود آياتٍ أُخَر كثيرة تؤكِّد حصرَ الوحي المتلوّ في القرآن الكريم.
ثانيًا: من حيثُ السند
رغم إصرار بعض المتأخرين على تصحيح هذا الحديث، فإنَّ البخاري ومسلم – وهما أعلم الناس بعلل الحديث – تجنَّبا إخراجه في صحيحيهما.
ثم إنَّ الحديث خبرُ آحاد، وخبرُ الآحاد – باتفاق الأصوليين – لا يفيد القطع، بل الظن، ويحتمل الصوابَ والخطأ.
بل إنَّ النظر في المتن أصلٌ أساسٌ عند أهل الحديث، ولو كان الحديث متواترًا، كما قرَّره الحافظ العراقي في ألفيته.
وقد رواه الترمذي وقال:
«حديثٌ حسنٌ غريبٌ لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه»
ولم يقل: صحيح، بل إنَّ لفظ حسن غريب عند الترمذي من ألفاظ التضعيف، لا التوثيق.
ولم يُصحِّح هذا الحديث أحدٌ من المتقدِّمين، وإنَّما صحَّحه الشيخ ناصر الدين الألباني – غفر الله له – مع ما عُرف عنه من التساهل في التصحيح، وتقوية الأسانيد الضعيفة ببعضها، وتجاوز العلل، وإهمال شذوذ المتن.
وقد نبَّه على ذلك غيرُ واحدٍ من المعاصرين له، منهم:
- الشيخ ابن عثيمين رحمه الله
- الشيخ مصطفى العدوي
- الدكتور سعد الحميد
وكلُّهم أشاروا إلى وقوع التساهل في تصحيح بعض الأحاديث، مع مخالفتها للأصول أو المتون الصحيحة.
ثالثًا: تفردُ الراوي
تفردَ برواية هذا الحديث صحابيٌّ واحدٌ فقط، هو: المقدام بن معدي كَرِب، ولم يروِه أيُّ صحابيٍّ غيره.
فهل يُعقَل أن يُسرَّ هذا الأصلُ العظيم – بزعمهم – إلى صحابيٍّ واحد، ويُخفى عن سائر الصحابة؟
ثم إنَّ المقدام ليس من كبار الصحابة، ولا من مشاهير الرواية، ولا من المقرَّبين، فكيف يُبنى أصلٌ عقديٌّ خطير على تفرده؟
رابعًا: عللٌ أخرى في السند
- عبد الرحمن بن أبي عوف الجُرشي: لم يحتجَّ به البخاري ولا مسلم.
- حُريز بن عثمان الحمصي: ضعَّفه العقيلي، وابن الجوزي، وابن حبان، وابن عدي.
فالسندُ ضعيفٌ جدًّا.
خامسًا: معارضةُ الحديث لأحاديثَ أصحّ
منها حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه:
«لا تكتبوا عني شيئًا إلا القرآن، فمن كتب عني غير القرآن فليمحه»
وكيف يكون ما هو مثل القرآن يُؤمر بمَحوه، ويُترك للحفظ والذاكرة؟
ومنها ما رواه البخاري عن ابن عباس:
«ما ترك إلا ما بين الدفَّتين»
أي: القرآن فقط.
وكذلك حديث:
«عليكم بكتاب الله، أحلوا حلاله، وحرِّموا حرامه»
وغيرها من الأحاديث الصحيحة التي تحصر المرجعية في القرآن.
سادسًا: نكارةُ آخر الحديث
قوله:
«فله أن يُعقِبهم بمثل قِراه»
أي: أن يأخذ من أموالهم قهرًا إن لم يُضيفوه!
وهذا يُخالف الأخلاق، والشرع، ومقاصد الإسلام، ويُسيء إلى مقام النبي ﷺ الذي وصفه الله بقوله:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾
وحاشا لرسول الله ﷺ أن يأمر بالسرقة أو أخذ أموال الناس بغير حق.
خلاصةُ القول.. إنَّ حديث الأريكة:
- ضعيفُ الإسناد
- منكرُ المتن
- مخالفٌ للقرآن
- مُعارِضٌ للأحاديث الصحيحة
- مشتملٌ على معانٍ باطلة لا تليق بمقام النبوة
ونحن ندينُ الله بأنَّ رسولَه ﷺ لم يقل هذا الكلام، ونبرأ إلى الله من نسبة ذلك إليه.
يقول الله تعالى في كتابه الكريم:
﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾
أبوالحارث الدليمي







إرسال تعليق