بطلان حديث: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين»
تمهيد
يُستدل بحديث «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين» على جعل أقوال الخلفاء الراشدين وأفعالهم مصدرًا من مصادر التشريع. غير أن التأمل في متن الحديث، وعرضه على القرآن، والنظر في عمل الصحابة أنفسهم، يكشف عن إشكالات جوهرية تجعل هذه الزيادة (سنة الخلفاء) منكرة غير مقبولة شرعًا ولا واقعًا.
وفيما يلي عرضٌ لأهم وجوه النكارة والاعتراض:
أولًا: اكتمال الدين وانقطاع الوحي
أخبر الله تعالى أن الدين قد اكتمل، فقال:
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ…﴾ [المائدة: 3]
فإذا كان الدين قد اكتمل، وانقطع الوحي بوفاة النبي ﷺ، فكيف يُتصوَّر أن يُضاف إلى الدين تشريع جديد بعده، أو تُجعل سنن بشر –مهما علت منزلتهم– ملزمة للأمة؟
ثانيًا: عصمة التشريع وانعدام التصويب
حتى النبي ﷺ نفسه، إن اجتهد فأخطأ، صوّبه الوحي، كما في قوله تعالى:
﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾
فمن يصوّب للخليفة الراشد إن أخطأ، وقد انقطع الوحي؟ وهل يُعقل أن يُجعل التشريع تابعًا لاجتهادات غير معصومة؟
ثالثًا: تحريم الشراكة في التشريع
قال الله تعالى:
﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: 21]
فجعل أقوال الصحابة –أو الخلفاء– دينًا متَّبعًا، معناه إشراكهم في التشريع، وهو ما نفاه القرآن صراحة.
رابعًا: خطورة القول على الله
قال الله في حق النبي ﷺ:
﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ…﴾ [الحاقة: 44–47]
فإذا كان هذا الوعيد في حق الرسول لو قال من عند نفسه، فكيف يُجعل قول غيره تشريعًا، وهو ليس تنزيلًا من الله؟
خامسًا: الأمر باتباع المنزل فقط
قال الله تعالى:
﴿اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: 3]
فمن زعم أن أقوال الخلفاء مما أُنزل من عند الله؟!
سادسًا: اختلاف الصحابة مع الخلفاء
ثبت تاريخيًا أن الصحابة خالفوا الخلفاء في مسائل كثيرة، فلو كانوا يرون أقوالهم حجة لازمة لما خالفوهم، وهذا دليل عملي على أنهم لم يفهموا الحديث بهذا المعنى.
سابعًا: انقطاع الحجة بوفاة الرسل
قال الله تعالى:
﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: 165]
فلا حجة على الناس بعد الرسول ﷺ، لا بخليفة ولا بصحابي.
ثامنًا: السؤال يوم القيامة
يسألنا الله عن المرسلين لا عن الصحابة ولا الخلفاء:
﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: 65]
وفي القبر يُسأل المرء عن ربه ونبيه ودينه، لا عن الخلفاء.
تاسعًا: عدم تحديد الخلفاء الراشدين
لم يبيّن النبي ﷺ من هم الخلفاء الراشدون تحديدًا، وقد اختلف النُقاد في عدّهم:
هل هم أربعة؟ أم خمسة أم أكثر؟.. ولا خير في أمة فيها أربعة خلفاء راشدين فقط!!
فكيف يُعلّق أصل من أصول الدين على مفهومٍ مختلفٍ فيه؟
عاشرًا: تضارب أقوال الخلفاء
الخلفاء أنفسهم اختلفوا في مسائل كثيرة، فبأي سنة نأخذ؟
ولو كانت أقوالهم وحيًا لما وُجد فيها هذا الاختلاف، والله يقول:
﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]
الحادي عشر: رد النزاع إلى الله والرسول فقط
قال تعالى:
﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾
ولم يقل: وإلى الخلفاء.
بل الحديث يحيل عند الاختلاف إلى سنن الخلفاء، وهو ما يناقض الآية الكريمة.
الثاني عشر: غياب الحديث عن كتابي البخاري ومسلم
حديث بهذه الخطورة، يتعلّق بمصدر التشريع، لم يخرّجه البخاري ولا مسلم.
وقال ابن عبد البر:
«وحسبك بذلك ضعفًا لها».
وقد اطّلع البخاري على الحديث وذكره في التاريخ الكبير ثم تركه، وهو دالٌّ على عدم ثبوته عنده.
الثالث عشر: عدم عمل الصحابة بالحديث
لم يُنقل أن خليفة استدل بهذا الحديث قط، ولا أن صحابي احتج به على غيره.
بل قال ابن عباس كلمته المشهورة:
«يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء… أقول قال رسول الله وتقولون قال أبو بكر وعمر؟!»
الرابع عشر: إشكال لفظ الحديث نفسه
قوله: «عَضُّوا عليها بالنواجذ»
هل يعود على سُنة النبي أم سُنة الخلفاء؟
ولو كان على الاثنين لقال: عليهما، لا عليها.
الخامس عشر: التشريع لله وحده
السُنة الحسنة التي جاء ذكرها في الحديث:
«من سن سُنة حسنة…»
هي إحياء أمرٍ مشروع أصلاً، لا تشريع جديد، كالصدقة.
أما جعل سنن الخلفاء تشريعًا عامًا، فباطل شرعًا وعقلًا.
خلاصة متن الحديث
- الدين كامل لا يقبل الزيادة.
- التشريع لله وحده، وبوحيه لنبيه ﷺ فقط.
- الصحابة لم يفهموا هذا الحديث على أنه تشريع.
- الحديث مضطرب سندًا ومتنًا، ومخالف للقرآن.
وعليه، فإن زيادة «وسُنة الخلفاء الراشدين» منكرة مردودة، ولا يجوز جعلها أصلًا من أصول الدين.
﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ الأحزاب 4
أما من حيث السند.. بإختصار:
فالحديث ضعيف بجميع طرقه
الطريق الأول
(أحمد، أبو داود، ابن حبان)
الضعفاء:
- الوليد بن مسلم: مدلس (بل قيل تدليس تسوية)
- عبد الرحمن بن عمرو السلمي: مجهول، لا تقوم به حجة حجر بن حجر: مجهول
الطريق الثاني
(أحمد، الدارمي، ابن ماجه، الترمذي)
الضعفاء:
- عبد الرحمن بن عمرو السلمي: مجهول، لا تقوم به حجة
الطريق الثالث
(ابن ماجه)
الضعفاء:
- الوليد بن مسلم: مدلس تدليس تسوية، ليس بحجة
- يحيى بن أبي المطاع: لم يسمع من العرباض ولم يلقه (انقطاع)
الطريق الرابع
(أحمد)
الضعفاء:
- عبد الله بن أبي بلال: مجهول
أقوال النقاد (خلاصة):
- عبد الرحمن بن عمرو السلمي: مجهول الحال، والحديث لا يصح من أجله (ابن القطان).
- يحيى بن أبي المطاع: أنكر أئمة الشام سماعه من العرباض، والرواية عندهم غلط (أبو زرعة الدمشقي، دحيم، ونقله الحفاظ).
خلاصة سند الحديث :
جميع طرق الحديث لا تخلو من ضعفٍ قادح:
إما جهالة رواة (عبد الرحمن السلمي، حجر بن حجر، ابن أبي بلال)،
أو تدليس شديد (الوليد بن مسلم)،
أو انقطاع وعدم سماع (يحيى بن أبي المطاع).
أبو الحارث الدليمي







إرسال تعليق