بطلان رواية « صبرًا آل ياسر فإن موعدكم الجنة »
دراسة حديثية نقدية في السند والمتن والمصادر
المقدمة
تُعدّ عبارة «صبرًا آل ياسر فإن موعدكم الجنة» من أكثر العبارات تداولًا في كتب السيرة والخطاب الوعظي، حتى شاع على ألسنة الخطباء والكتّاب أنها حديث نبوي ثابت.
غير أن البحث الحديثي الدقيق يكشف أن هذه الرواية لا تثبت مرفوعة إلى النبي ﷺ بإسناد صحيح ولا حسن، بل هي خبر سيري مرسل لا يرقى إلى مرتبة الحديث، ولذلك تجنّبها نقاد الحديث ولم يُخرّجوها في كتب السنة المعتمدة.
أولًا: نص الرواية وصيغها
أشهر صيغة متداولة:
«مرّ النبي ﷺ بآل ياسر وهم يُعذَّبون فقال: صبرًا آل ياسر فإن موعدكم الجنة».
وتوجد صيغ قريبة في بعض كتب السيرة:
- «اصبروا آل ياسر، فإنكم على الحق»
- «صبراً آل ياسر، فإن موعدكم الجنة»
ولا توجد صيغة منها مسندة بإسناد متصل صحيح.
ثانيًا: أين وردت الرواية؟ ومن أوردها؟
1. مصادر السيرة والتاريخ
أُوردت الرواية في:
- ابن إسحاق (في السيرة – مرسلة بلا إسناد)
- ابن هشام (نقلها عن ابن إسحاق بلا سند)
- الطبري في تاريخه (بطريق خبري لا حديثي)
- الواقدي (وهو متروك الحديث)
- ابن سعد في الطبقات (بإسناد ضعيف أو مرسل)
كل هذه الكتب ليست كتب حديث احتجاجي، بل كتب سيرة وتاريخ.
2. غيابها عن كتب الحديث المعتمدة
لم يخرجها:
- البخاري
- مسلم
- أبو داود
- الترمذي
- النسائي
- ابن ماجه
- أحمد في المسند
- الدارقطني
- البيهقي
وهذا الغياب ليس صدفة، بل نتيجة حكمهم عليها بعدم الثبوت.
ثالثًا: دراسة الإسناد (أهم نقطة)
1. هل للرواية إسناد متصل؟
الجواب: لا.
جميع طرق الرواية:
- مرسلة (تابعي يروي بلا صحابي)
- أو بلاغات بلا إسناد
- أو عبر رواة متروكين
ولا يوجد:
إسناد متصل: صحابي ← النبي ﷺ
2. أشهر الأسانيد المذكورة (إن وُجدت)
أ) طريق الواقدي
- محمد بن عمر الواقدي
- قال عنه الشافعي: كتب الواقدي كذب
- قال أحمد: هو كذاب
- قال البخاري: متروك الحديث
إسناده ساقط
ب) طريق محمد بن إسحاق (بلاغًا)
- ابن إسحاق مدلس شيعي باطني
- لم يذكر عمّن روى
- قال: “بلغني أن النبي ﷺ قال...”
بلاغات ابن إسحاق لا تُقبل في الحديث
ج) روايات بلا سند أصلًا
كما في ابن هشام وغيره.
لا قيمة حديثية لها
رابعًا: لماذا رفضها نقاد الحديث؟
1. لفقدان شرط الاتصال
الحديث لا يُقبل إلا بسند متصل
وهذه الرواية منقطعة أو مرسلة
2. لضعف الرواة (إن ذُكروا)
- الواقدي: متروك
- رواة مجهولون
- بلاغات بلا أسماء
3. لمخالفتها المنهج الحديثي
نقاد الحديث لا يثبتون الفضائل إلا بإسناد
ولو كانت صحيحة: لكانت مشهورة مشهودة كغيرها من فضائل الصحابة.
خامساً: حكم الرواية عند أهل الحديث
الحكم النهائي:
- ليست حديثًا صحيحًا
- ولا حسنًا
- بل ضعيفة جدًا / لا أصل لها مرفوعة
- تُذكر في باب السيرة لا في باب السنة
قال الشيخ الألباني:
مشهور على الألسنة، ولا يصح حديثًا
الخاتمة
رواية «صبرًا آل ياسر فإن موعدكم الجنة»:
- لا تثبت حديثيًا
- لا سند صحيح لها
- تجنّبها نقاد الحديث عمدًا
- أوردها أهل السيرة لا أهل السنة الحديثية
«لم يكن العرب قبل الإسلام معروفين بتعذيب الناس أو المستضعفين، بل إن هذه الصورة تعود إلى مرويات شعوبية تحمل حقدًا على العرب. ويُلاحظ أن فيلم الرسالة ساهم في ترسيخ هذا التصوير المشوَّه والطعن في سيرتهم.»
الأستاذ : أبوالحارث الدليمي







إرسال تعليق