الهوية السُنية العراقية .. وصراع الهويات
- ماهية الهوية: الخندق الوجودي الأخير
ليست الهوية ترفاً فكرياً أو بطاقة تعريفية تُبرز عند الطلب، بل هي في جوهرها الخندق الوجودي الأخير الذي يفصل بين البقاء والعدم. إنها الدرع الاستراتيجي الذي يحمي الجماعات البشرية من التحلل والذوبان في مشاريع الآخرين. فالهوية هي "كل ما يميز الفرد عن غيره ويعبر عن خصوصيته المطلقة"، وهي الدافع الفطري والحاجة الملحة للتميز التي بدونها تفقد الكيانات مبرر وجودها.
وعندما نقارب المقولة القائلة بأن "كل فرد أو جماعة بدون هوية يساوي صفراً"، فإننا نتحدث عن "الصفرية" ليس كمقدار رياضي، بل كحالة من "العدمية السياسية والاجتماعية". إن الكيان الذي يفتقد الهوية لا يخسر اسمه فحسب، بل يتحول استراتيجياً إلى "مادة خام" تُصاغ وتُستخدم لخدمة مشاريع خصومه. إن "ماذا بعد؟" في حالة الهوية الصفرية هو التحول إلى أداة تابعة، وفقدان القدرة على المبادرة، والعيش كطفيل على هامش التاريخ، حيث تصبح الاستباحة نتيجة حتمية لفراغ الذات.
ولأن هذه الهوية هي وعاء الذات، فإنها تتشكل عبر دوائر مرنة تتكيف مع الحاجة البشرية للتعريف والتمايز، قبل أن تصطدم بالواقع الصلب الذي يفرض الانتماء الأعمق.
--------------------------------------------------------------------------------
2. تشريح أنماط الهوية: من الأطر المدنية إلى التمايز الديني
تتعدد تجليات الهوية وتتداخل لتشكل ملامح الفرد في سياقاته المهنية والاجتماعية، وهي أنماط وظيفية لا تستوجب بالضرورة صبغة دينية في مستوياتها الأولية:
- الهوية الوظيفية والمهنية: وهي التي تمنح الفرد تمايزاً بناءً على تخصص وعطاء محدد، كأن يُعرف المرء بكونه (مهندس، طبيب).
- الهوية العشائرية: وهي أداة التمايز الاجتماعي الأكثر تجذراً في البيئة المحلية، وتبرز كشبكة أمان في غياب المؤسسات، ومن أمثلتها: (جبوري، دليمي، طائي).
- الهوية القومية والقطرية: وهي الدوائر التي تحدد الانتماء العرقي أو الجغرافي السياسي، مثل:
- القطرية: (عراقي، سوري، مغربي).
- القومية: (عربي، كوردي، تركي).
بينما تبرز الهوية بصورتها الدينية الفاصلة عندما توضع في سياق التقابل مع الأديان الأخرى (مسلم، نصراني، يهودي). ورغم أن هذه الهويات (المدنية والعشائرية) توفر ملاذات مؤقتة، إلا أن أتون التاريخ والمنعطفات الكبرى تُجرد الإنسان من أقنعته الثانوية، لتبقي فقط على حجر الزاوية في الانتماء: الهوية السُنية بوصفها هوية الأمة.
--------------------------------------------------------------------------------
3. الهوية السُنية: فعل السيادة في مواجهة الكيان الدخيل
في سياق الصراع الوجودي المعاصر، لم يعد من المقبول تعريف "السُنية" كطائفة مذهبية تقابل الشيعة في معادلة عددية ضيقة. إن الرؤية الاستراتيجية تقتضي إعادة الاعتبار لمفهوم أن "السُنة هم الأمة"؛ فهم الأصل والجوهر، بينما يُصنف الطرف الآخر (الشيعة) بوصفه "كياناً دخيلاً" طرأ على جسم الأمة بهدف اختراق حصونها وتفتيت نسيجها.
إن هذه الهوية ليست "بدعاً من القول" أو رد فعل آنياً، بل هي مشروعية تاريخية وضع معالمها الصحابة الكرام (رضي الله عنهم). لقد برزت الهوية السُنية كضرورة فرز معرفية ووجودية عندما ظهرت الفرق المخالفة كـ ”الخوارج الذين خرجوا على الخليفة العظيم عثمان بن عفان" الذين شقوا عصا الجماعة. هذا التأصيل التاريخي يحول الهوية السُنية من مجرد تصنيف مذهبي إلى "فعل سيادي" يمنح أتباعه المشروعية المطلقة في البقاء والمقاومة، ويوفر لهم العمق المعرفي اللازم لمواجهة مشاريع الاستئصال.
--------------------------------------------------------------------------------
4. سقوط الفكر الوطني وضياع الهوية والأرض
عندما سقط "جدار الوطنية الواهن" في العراق، انكشفت الأوهام وسارعت المكونات للاحتماء في حصونها الهوياتية. هنا تبرز فلسفة "البيت" كضرورة استراتيجية للحماية، حيث تباينت الاستجابات بين المكونات:
- الشيعة: استخدموا "ستار الوطنية" ببراعة كغطاء لدعم هويتهم الخاصة، فأعلنوا هويتهم الصريحة وتحصنوا داخل "بيتهم" السياسي والاجتماعي.
- الكورد: اتسمت استراتيجيتهم بالواقعية السياسية، فحموا أنفسهم بالهوية الكوردية، وأنشأوا "بيتاً" ملموساً (الإقليم) يعززه جيش يحمي كيانهم من التغول الخارجي، لا سيما الخطر الإيراني.
- السُنة: وقعوا ضحية "السذاجة الاستراتيجية"؛ فبينما كان الآخرون يبنون بيوتهم، ظل السُنة يؤمنون بـ "جدار الوطنية" المتداعي، فبقوا "عراة" بلا هوية جامعة أو أرض تأويهم.
هذه الحالة من "العري الهوياتي" جعلت الجمهور السُني هدفاً سهلاً ومباحاً، فانقض عليهم الكيان الدخيل قتلاً وتشريداً وسلباً للحقوق والكرامة. إن الفشل السُني هنا لم يكن عسكرياً فحسب، بل كان فشلاً معرفياً في فهم ضرورة الاحتماء بكيان هوياتي صريح.
--------------------------------------------------------------------------------
5. لماذا فقد السُنة بوصلة الهوية؟
إن فقدان الهوية السُنية هو نتيجة "انتحار معرفي" قادته نخب أخفقت في قراءة الواقع، ويمكن تشخيص هذا الشلل البنيوي في ثلاثة مستويات:
- الزعامات الدينية الكارتونية (أسرى فقه الفروع): فشل هؤلاء فشلاً ذريعاً في الانتقال من "فقه الفروع" (الجزئيات التعبدية اليومية) إلى "فقه النوازل" (فقه الكوارث والوجود الاستراتيجي). لقد انشغلوا بتفاصيل النوافل بينما كان "البيت" يحترق، مما أصاب العقل السُني بالشلل التام عن مواجهة الأزمات المصيرية.
- الزعامات الوطنية (صنّاع الأوهام): روّج هؤلاء لشعارات وطنية فارغة لم تكن موجودة إلا في خيالاتهم، ففقدوا قاعدتهم الشعبية وتركوها بلا بوصلة أمام العواصف.
- الفكر العلماني والأحزاب الإسلامية المخترقة: ساهم الفكر العلماني المنبتّ عن الجذور، والأحزاب الإسلامية التي تعرّضت للاختراق الشيعي، في تعزيز حالة العزوف عن الواقع المرير، والهروب نحو أطر هلامية لا تسمن ولا تغني من جوع.
--------------------------------------------------------------------------------
6. خارطة الطريق: فقه الهوية وبناء المستقبل
إن استعادة الهوية السُنية ليست ارتداداً نحو الماضي، بل هي استحقاق حتمي لبناء مستقبل مزدهر والخروج من دائرة "المآسي والعذاب". إن الغاية الكبرى من إبراز الهوية السُنية وتجديد فكر الجمهور تتلخص في:
- تحقيق النجاة الوجودية من واقع الاستباحة الحالي.
- الانطلاق نحو نهضة حضارية، اقتصادية، وسياسية شاملة.
- تحويل الجمهور السُني من "كتلة هلامية" إلى كيان واثق يمتلك أدوات التأثير والسيادة.
ويعد المشروع السُني "فقه الهوية" للدكتور طه الدليمي (مؤسس التيار السُني في العراق) الإطار المعرفي الوحيد القادر على قيادة هذا التحول من "الصفرية" إلى "الفاعلية". إنها دعوة للعمل، تبدأ بالوعي الصارم بالذات وتنتهي باستعادة السيادة على الأرض والمصير.
« حين تنهار الشعارات الوطنية، لا يبقى للإنسان سوى هويته »
فهل أدرك السُنة في العراق أن الهوية ليست ترفاً فكرياً، بل شرطٌ للبقاء واستعادة السيادة؟
للمزيد من الاطلاع والبحث في أبعاد هذا المشروع الاستراتيجي، يرجى زيارة الموقع الرسمي للتيار السُني في العراق:
الأستاذ: بشار محمد الدليمي







إرسال تعليق