حديث علي: (أن لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق) ضعيف
روى مسلم في (الصحيح) قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع، وأبو معاوية، عن الأعمش، ح وحدثنا يحيى بن يحيى، واللفظ له، أخبرنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عدي بن ثابت، عن زر، قال: قال علي: والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، إنه لعهد النبي ﷺ الأمي إليَّ: (أن لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق).
ورواه النسائي والترمذي وابن ماجه، وأحمد في (المسند)، كلهم من طريق الأعمش، عن عدي، عن زر، قال: قال علي.
ورواه أحمد وغيره عن طريق مساور الحميري، عن أمه، قالت: سمعت أم سلمة.
وقد حكم الذهبي في (ميزان الاعتدال615/4،95/4) بجهالة مساور الحميري وأمه، وقال شعيب الأرنؤوط (في تعليقه على المسند 117/44) عند ذكر الحديث: «وهذا إسناد ضعيف لجهالة مساور الحميري وأمه».
ضعف الحديث سنداً ومتناً
أولاً: متن الحديث
إن جعل رجل ـ علي أم غيره ـ بين أهل الإيمان وأهل النفاق، لا يتفق ومنهج القرآن الكريم. والأدلة على ذلك متوافرة، منها:
- إن القرآن العظيم يعلق المفاهيم ـ ومنها الإيمان والنفاق ـ بأسبابها الموضوعية لا الشخصية.
- إذا تعلق الأمر بالأشخاص فلم نجد في القرآن أحداً ذُكرت له هذه الخصيصة غير النبي ﷺ، وقد ورد ذلك في القرآن الكريم في عدة مواضع منها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ (النساء: 61)
- لم يجعل الله سبحانه وتعالى أحداً ـ غير النبي ﷺ ـ فرقاناً بين الإيمان والنفاق، إلا أن يكون مجموع الصحابة، كما في قوله تعالى:
﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ - الى قوله - لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: 29]
وقوله تعالى:
﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: 100].
- قد يبغض بعض أفراد الصحابة بعضاً، ولا يُدخل ذلك أحداً منهم في نفاق ولا كفر، إلا إذا توجه البغض إلى جمهور الصحابة.
- إن بغض أحد من الصحابة قد يكون بجهل، والجهل ليس شرطاً أن يستلزم النفاق، إنما ذلك للغل مع العلم. وقد أبغض الخوارج عثمان وعلياً ومعاوية، وجمهور أهل العلم على أنهم مسلمون، وروى عنهم الحديث كبار المحدثين، منهم الإمام البخاري.
- إن إفراد أشخاص بعينهم فرقاناً بين الحق والباطل ديدن الشيعة، فقالوا عن علي ما قالوا، وعن عمار وفاطمة وغيرهم، وجعلوا الشخص نفسه هو الفرقان، وهذا مخالف لما أنزل في القرآن الذي هو عين الفرقان.
وقد شك علماء كبار في هذا الحديث، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية إذ يقول في (منهاج السنة 7/147):
«في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار، وقال: لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر. فكان معرفة المنافقين في لحنهم ببغض الأنصار أولى، فإن هذه الأحاديث أصح مما يروى عن علي أنه قال: لعهد النبي الأمي إلي أنه لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق. فإن هذا من أفراد مسلم، وهو من رواية عدي بن ثابت عن زر بن حبيش عن علي. والبخاري أعرض عن هذا الحديث بخلاف أحاديث الأنصار، فإنها مما اتفق عليه أهل الصحيح كلهم، وأهل العلم يعلمون يقيناً أن النبي ﷺ قالها، وحديث علي قد شك فيه بعضهم».
وجعل الذهبي في (سير أعلام النبلاء 17/169) هذا الحديث من المشكلات، قائلاً بعد ذكر حديث الطير المكذوب وحديث «من كنت مولاه»:
«وهذا أشكل الثلاثة، فقد أحبه قوم لا خلاق لهم، وأبغضه بجهل قوم من النواصب، فالله أعلم».
ثم حاول تأويله فقال:
«إن حب علي من الإيمان وبغضه من النفاق؛ فالإيمان ذو شعب، وكذلك النفاق يتشعب، فلا يقول عاقل إن مجرد حبه يصير الرجل به مؤمناً مطلقاً، ولا بمجرد بغضه يصير الموحد منافقاً خالصاً».
وقد نُسب إلى الذهبي تعليق آخر، لكن الأرنؤوط بيّن أنه ليس من كلام الذهبي نفسه.
وما قاله الذهبي تكلف لا حاجة إليه. ولو كان الحديث يصح سنداً لعذرنا من تكلفه، ولكنه ضعيف من الأصل، ومتنه لا يقبل دون تكلف، وقد شك فيه علماء كبار سبق ذكر بعضهم.
ثانياً: سند الحديث
- الحديث أخرجه مسلم في الشواهد لا في الأصول، وليس في ضعف سنده من عجب؛ إذ اتفق المحدثون أنهم إنما يتشددون في الأحكام (الحلال والحرام)، فإذا رووا في غيرها كالمناقب والتفسير والمغازي والملاحم تساهلوا في السند، والحديث في المناقب.
- أول علل الحديث تدليس الأعمش، وقد رواه بالعنعنة ولم يصرح بالتحديث، وفي الأعمش كلام أسوأ من التدليس.
- ومن علله عدي بن ثابت.
قال ابن حجر في (تهذيب التهذيب 7/165-167):
- قال أبو حاتم: صدوق وكان إمام مسجد الشيعة وقاصهم.
- قال الطبري: عدي بن ثابت ممن يجب التثبت في نقله.
- قال ابن معين: كان شيعياً مفرطاً.
- قال الجوزجاني: مائل عن القصد.
- قال عفان: قال شعبة: كان من الرفاعين (أي يرفع الموقوفات).
- قال ابن أبي داود: حديث عدي بن ثابت عن أبيه عن جده معلول.
- قال الدارقطني: ثقة إلا أنه كان غالياً في التشيع.
- قال أحمد: ثقة إلا أنه كان يتشيع.
وقال ابن حجر أيضاً:
قال البخاري في التاريخ الأوسط: «حديثه ـ يعني عدي بن ثابت ـ عن أبيه عن جده وعن علي لا يصح».
وحكم عليه تلميذ البخاري أبو جعفر العقيلي بالضعف في (الضعفاء الكبير)، وذكر عنه:
- قول شعبة: عدي بن ثابت من الرفاعين.
- قول المسعودي: ما رأيت أحداً أقول بقول الشيعة من عدي بن ثابت.
- قول يحيى: كان يفرط في التشيع.
وانتقد الدارقطني في (الإلزامات والتتبع ص289) مسلماً لإخراجه هذا الحديث، فقال:
«وأخرج مسلم حديث عدي بن ثابت: والذي فلق الحبة، ولم يخرجه البخاري».
وبعض ما سبق من جرح يبطل الرواية سنداً، لأن راويها شيعي غالٍ يروي في وفاق بدعته.
ومع كل هذه الطامات في المتن والسند يصحح الألباني رواية النسائي والترمذي، وقال الأرنؤوط عن رواية ابن ماجه:
«رجاله ثقات»!
فضيلة الدكتور المجدد: طه حامد الدليمي
مؤسس التيّار السُني في العراق







إرسال تعليق