روايات الفحش المنسوبة إلى الصحابة الكرام رواية « أمصص بضر اللات »

الكاتب: مركز الفكر الرابع للدراسات والبحوث العلميةتاريخ النشر: آخر تحديث: وقت القراءة:
للقراءة
عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق


 روايات الفحش المنسوبة إلى الصحابة الكرام
رواية« أمصص بضر اللات »


من أعظم الإشكالات التي ابتُلي بها الخطاب الديني المعاصر، اختلاطُ القيم الأخلاقية العليا بنصوص تُفهم أو تُستعمل خارج سياقها، حتى بات بعض الناس يظن أن الفحش في القول والسبّ والشتم يمكن أن يكون قربةً يتقرب بها إلى الله، أو اتباعًا لسُنة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته. وهذه الظاهرة تستدعي وقفةً نقديةً هادئة، تُعيد التوازن بين النصوص والأخلاق، وتفحص الروايات بمنهج عقلي معاصر.

ولقد ابتلينا ببعض ادعياء السلفية الذين يشتمون ويسبون ويفحشون بالقول لكل من يخالفهم أو يخالف مشايخهم، ويعتبرون ذلك سُنة من سنن الخلفاء والصحابة الكرام وحاشاهم، حيث يستدلون بهذه المرويات الهابطة المصنعة والمضروبة في دهاليز حمراء الكوفة.

لقد وصف الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، وهو وصفٌ جامعٌ مانعٌ يجعل من الأخلاق ميزانًا لفهم كل ما يُنسب إليه. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: « ليس المؤمن بطعّان ولا لعّان ولا الفاحش البذيء»، وهو نصّ صريح في نفي الفحش عن حقيقة الإيمان.

غير أن بعض الروايات تُستحضر لتبرير خطابٍ خشن، ومن أشهرها ما يُروى في قصة صلح الحديبية، حين قال أبو بكر رضي الله عنه لعروة بن مسعود: «امصص ببظر اللات» وحاشا الصديق من هذا القول البذيء. وقد تعامل شُرّاح الحديث مع هذه الرواية والتبرير بطرق مختلفة؛ فذهب بعضهم إلى أنها من باب الردع والزجر في سياق استثنائي، لا يُقاس عليه. واعتبر آخرون أنها تعبيرٌ جارٍ على عادة العرب في الشتم، مع توجيه خاص لشدته في ذلك المقام.

لكن الإشكال لا يكمن في مجرد وجود هذه الروايات، بل في تحويلها إلى قاعدة عامة تُبرر الانفلات الأخلاقي في الخطاب، وهو ما يتعارض مع المقصد الكلي للشريعة في تهذيب اللسان، ومع الصورة المتواترة عن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في الحلم والعفو.

التحقيق الحديثي: بين الرواية والعقل

عند النظر إلى هذه النصوص بمنهج نقدي، تبرز عدة تساؤلات جوهرية:

أولًا: السياق التاريخي للرواية
هل نُقلت هذه الأقوال بلفظها الدقيق، أم أنها خضعت لتأثير البيئة اللغوية والثقافية للرواة؟.. كما أن الشتم لم يكن جزءًا من الثقافة العربية في الجاهلية ولم يُعرف العرب بهذه الصفات إلا نادراً.

ثانيًا: الفاصل الزمني في التدوين
إن تدوين الحديث لم يتم بشكل موسّع إلا في القرن الثالث الهجري، كما هو الحال في كتب كـ«صحيح البخاري» و«صحيح مسلم». وهذا يعني أن الأحاديث ظلت تُتداول شفهيًا ما يقارب قرنين من الزمن، أو تدون بالمعنى لا باللفظ الحقيقي، وهو أمر يفتح باب التساؤل حول مدى دقة الألفاظ المنقولة، وإمكانية تعرضها للتغيير أو الزيادة أو النقصان.

ثالثًا: موافقة الرواية للأصول الكلية
هل تتوافق هذه الروايات مع القيم القرآنية الثابتة، مثل ضبط اللسان، والإحسان في القول، وترك الفحش؟ أم أنها تمثل حالات جزئية لا يجوز تعميمها؟

أما من حيث السند.. فالرواية  في سندها عبدالرزاق الصنعاني وهو شيعي كذاب ومن غلاة الشيعة.

نحو فهم متوازن

إن المنهج السليم لا يقوم على إنكار الروايات جملةً، ولا على قبولها دون تمحيص، بل على قراءة واعية تجمع بين النقد العلمي والمقاصد الأخلاقية. فالإسلام دينٌ أقام بنيانه على تزكية النفس، وليس على إطلاق اللسان في الفحش والفجور في الخصومة.

كما أن الاستدلال بحالات استثنائية لتبرير سلوك دائم يُعد خللًا منهجيًا، لأن النصوص تُفهم في ضوء سياقها، لا بمعزل عنه. وقد قرر القرآن مبدأً واضحًا في هذا الباب:
﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ﴾، وهو استثناءٌ يُفهم بحدوده، لا أن يُتخذ ذريعةً للتوسع في الفحش.

خاتمة

إن إعادة قراءة التراث الحديثي بعينٍ نقديةٍ معاصرة لا تعني الطعن فيه، بل تعني تحريره من الفهم السطحي، وربطه بروحه الأخلاقية التي جاء بها الإسلام. فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن مجرد ناقلٍ لأحكام، بل كان نموذجًا حيًا للأخلاق، ولا يمكن أن يُفهم دينه بعيدًا عن هذا النموذج.

ومن هنا، فإن الواجب اليوم هو إعادة الاعتبار للأخلاق في فهم النصوص، وعدم تحويل الروايات المكذوبة إلى مبرر لانحراف الخطاب، حتى يبقى الإسلام كما أراده الله: دينًا يهذب اللسان قبل أن يُجيّش الخصومة.

الأستاذ: بشار محمد الدليمي

شارك المقال لتنفع به غيرك

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

ليست هناك تعليقات

5530503018128628799

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث