ملحمة الحرَّة المجيدة وإعادة الهيبة للسيادة الأُموية .. كيف فضح النطاق الجغرافي أكاذيب السردية العباسية ؟

الكاتب: مركز الفكر الرابع للدراسات والبحوث العلميةتاريخ النشر: آخر تحديث: وقت القراءة:
للقراءة
عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق


 ملحمة الحرَّة المجيدة وإعادة الهيبة للسيادة الأُموية .. كيف فضح النطاق الجغرافي أكاذيب السردية العباسية ؟


إنّ التشكيك في شرعية خلافة أمير المؤمنين يزيد بن معاوية رضي الله عنهما هو طعنٌ بنيوي في مؤسسة الخلافة برمَّتها ، فاستخلاف يزيد كان من أجلِّ أعمال الإمام معاوية رضي الله عنه وأرضاه إن لم يكن أجلَّها على الإطلاق ؛ لأنه وأد الفتنة وحفظ وحدة الأمَّة تحت راية واحدة ، فالطعن في يزيد هو بالضرورة طعنٌ في أبيه ، ومن قبله طعنٌ في اختيار أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه الذي ولَّى معاوية ولم يستبدله وكذلك بعده طعنٌ في أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه الذي ثبَّته ، بل وحتى وصولاً لخليفة رسول الله أبو بكر الصدِّيق رضي الله عنه وأرضاه الذي بعث أهم جيوش فتح الشام بقيادة يزيد بن أبي سفيان رضي الله عنهما ، ومن فوقهم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الذي اعتمد على رجالات بني أمية في إدارة الدولة ومنهم "أبو سفيان صخر بن حرب ، ويزيد بن أبي سفيان ، ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهم أجمعين" في قيادة الجيوش والولايات والكتابة والإدارة ، فبني أمية كانوا "عصب الدولة حقاً" وعمادها وقاعدة الإسلام الصلبة ، والهجوم عليهم هو هجوم على تاريخ الإسلام العسكري والسياسي المبكِّر  !


حين لامست الخيول العربية أطراف الأرض من أقصاها إلى أقصاها ، وفي مدة لم تتجاوز ثلاث سنوات وثمانية أشهر حققت الخلافة اليزيدية طفرة إمبراطورية توسعية مذهلة بالمد الجيوسياسي غير المسبوق ، إذ وصلت طلائع الجيوش العربية الفاتحة في عهده الميمون إلى تخوم الصين عند جبال الهيملايا وهضبة التبت شرقاً ، واخترقت مرتفعات جبال أطلس لتلامس شواطئ "بحر الظلمات" (المحيط الأطلسي) غرباً ، فكان عهده المبارك امتداداً لزخم الفتوحات الكبرى حيث كانت الدولة في أوج انضباطها العسكري ، وحلَّت بعد ذلك الفاجعة الكبرى بوفاته رحمه الله ورضي الله عنه وأرضاه ، إذ أدَّت هذه الفاجعة لتوقف الفتوحات وتصدُّع الجبهة الداخلية بفعل المؤامرات .. فماذا لو طال عمره ؟!


أليس من الظلم التاريخي الصارخ أن يُختزل عهد هذا الفاتح الكبير في روايات مكذوبة صاغها "لوط بن يحيى أبي مخنف" ذلك الإخباري الشيعي المحترق واضرابه الذين تفرَّدوا بصناعة قصص "وقعة الحرة" و"خروج حسين" وغيرها ليُشوَّه وجه الدولة الناصع ؟!


مسلم بن عقبة المري رضي الله عنه وأرضاه القائد المفتري عليه ، حيث أن شخصية هذا القائد العظيم قد تعرَّضت لأكبر عملية "تشويه" في التاريخ العربي ، فمسلم بن عقبة كان أسطورة عسكرية صهرتها الحروب والفتوحات وتاريخ مليء وباذخ بالجهاد والبطولات ، إذ كان مسلم من الرعيل الأول الذين أذلوا الروم في بلاد الشام ، وشهد الفتوحات الكبرى تحت قيادة الإمام معاوية العظيم ، وكان مسلم بن عقبة يُعرف بـ "رجل الدولة" الحازم الذي لا تلين قناته ، فإنَّ اختيار أمير المؤمنين يزيد له جاء بعد إلحاحٍ شديد من قبل مسلم بالرغم من مرضه فقد أراد أن يختم حياته وجهاده بهذا العمل الجليل ، فاختير كـ "رجل الضرورة" ، وبالرغم من مرضه الشديد وتقدِّمه في السن إلَّا أن روحه القتالية كانت أقوى من جسده المعتل  ..


عُرف القائد مسلم بن عقبة بن رباح بن أسعد المري الذبياني الغطفاني بالانضباط العسكري الصارم ، وكان من نخبة قادة "أجناد الشام" الذين يمثِّلون ذروة القوة الضاربة للعرب ودولة الإسلام ، متميزين بالوفاء المطلق ، وبالدين الرصين الذي لا تشوبه أهواء الخوارج ، وقد أدرك مسلم بن عُقبة النبي صلَّى الله عليه وسلَّم ، وبرز اسمه بعد ذلك ولمع في فتوح الشام ، وكان ملازماً لمعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما ومن أخلص رجاله وأمضى سيوفه شديد الولاء له ، لذلك كان من أبرز القادة في معركة صفِّين عام 37 هـ ، حيث أسند له معاوية قيادة الرجَّالة من أهل دمشق وقاتل رضي الله عنه أهل البغي قتالاً عظيماً حتَّى فقد أحد عينيه في سبيل الله تعالى  ..


لقد آن الأوان لإعادة الاعتبار لهذا القائد الفذ مسلم بن عقبة المري الذبياني الغطفاني رضي الله عنه وأرضاه ، فقد غيَّب التاريخ المزوَّر جهاده العظيم ضد الروم في الصوائف والشواتي ، وحوَّله إلى "سادي بشع" من خلال نبز اسمه بـ "مسرف" من قبل مرتزقة البلاط العباسي ، فقد كان مسلم بن عقبة في آخر حياته شيخاً كبيراً مثقلاً بالمرض لكنه خرج محتسباً ملبياً نداء الواجب لإخماد فتنة الخوارج المنافقين بقية قتلة عثمان الذين شقوا عصا الطاعة ، فكان عمله تطبيقاً شرعياً لموقف عبد الله بن عمر رضي الله عنهما العظيم في الحديث المرفوع الذي أخرجه البخاري في صحيحه في المجلَّد التاسعبرقم : 7111 كتاب الفتن - باب : إذا قال عند قوم شيئاً ثم خرج فقال بخلافه ؛ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ ، قَالَ : لَمَّا خَلَعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ ، جَمَعَ ابْنُ عُمَرَ حَشَمَهُ وَوَلَدَهُ ، فَقَالَ : « إِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " يُنْصَبُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " وَإِنَّا قَدْ بَايَعْنَا هَذَا الرَّجُلَ عَلَى بَيْعِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَإِنِّي لَا أَعْلَمُ غَدْرًا أَعْظَمَ مِنْ أَنْ يُبَايَعَ رَجُلٌ عَلَى بَيْعِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، ثُمَّ يُنْصَبُ لَهُ الْقِتَالُ ، وَإِنِّي لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْكُمْ خَلَعَهُ ، وَلَا بَايَعَ فِي هَذَا الْأَمْرِ ، إِلَّا كَانَتِ الْفَيْصَلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ » ، ونصوص صريحة وروايات صحيحة أخرى تبيِّن مناصرة أمير المؤمنين يزيد بن معاوية رضي الله عنهما وتحريم نكث البيعة والتحذير من الخروج على الإمام الشرعي من قبل عبدالله بن عمر رضي الله عنهما .. 


بعد أن أدَّى أمانته في المدينة لم يخلد مسلم بن عقبة للراحة رغم مرضه الذي كان ينهش جسده ، بل واصل المسير نحو مكة لاستكمال مهمة تطهير الحجاز وإعادته لحظيرة الدولة ، فكانت وفاته رحمه الله ورضي عنه وأرضاه في سبيل توحيد دولة الإسلام الراشدة وهو في طريقه إلى مكة بثنيَّة يُقال لها "المشلل" بين المدينة ومكة وفيها اختار الله تعالى القائد المجاهد مسلم بن عقبة إلى جواره ، وكان من آخر ما قاله رحمه الله ورضي عنه وأرضاه « اللهم لك الحمد على أن أقررت عيني بقتالهم ، فإنه لم يكن قومٌ أحبَّ إليّ أن أقاتلهم من قومٍ خلعوا بيعة أمير المؤمنين يزيد ، ونصبوا له الحرب » وقبل أن يلفظ أنفاسه الطاهرة الأخيرة أسند إمارة الجيش للقائد الحصين بن نمير السكوني الكندي ليكمل المسير إلى مكة ، لم يمت مسلم بن عقبة على فراش الراحة والترف ، إنما مات وهو ممتشقاً حسامه يقود الجيوش ، ويذود عن حياض دولة الإسلام الراشدة ، فرحل مسلم بن عقبة المري رضي الله عنه وأرضاه بعد أن طهَّر الأرض من رؤوس الفتنة ، وترك خلفه جيشاً منظَّماً أكمل المهمة ، فإن موته في تلك اللحظة كان بالفعل ختام المسك لسيرة رجل عاش من أجل عظمة الإمبراطورية العربية ، ومات وهو يسعى لتوحيدها ..


إنَّ يوم الحرَّة المجيد هو يوم إنقاذ الدولة من الانقلابيين المارقين ، فالحقيقة التي تُخفيها السردية العباسية هي أن ما جرى في المدينة عام 63 هـ كان "محاولة انقلابية" دموية كادت أن تكرر مأساة يوم الدار سنة 35 هـ ، فقد قام المتمردون بحصار مروان بن الحكم رضي الله عنهما وبقية بني أمية مع النساء والأطفال في "دار مروان" بالقرب من الحرَّة عازمين على ذبحهم ، فكان تحرك جيش يزيد عملاً "إنقاذياً" سريعاً خاطفاً لفك الحصار ومنع تكرار المذبحة الكبرى ، وإفشال استباحة المدينة والفساد والإحداث فيها للمرة الثانية بعد 35 ه ..


لا يمكن فهم ما جرى في الحرَّة دون العودة إلى الخطيئة الأولى التي زلزلت أركان الدولة العربية ؛ وهي اغتيال الخليفة الشهيد المظلوم عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه ، فإن الفئة الباغية التي استباحت المدينة وسفكت دماء الخليفة وأهل بيته وأنصاره في يوم الدَّار بالمدينة 18 من ذي الحجة سنة 35 هـ هي ذاتها "النواة" التي استمرَّت في نخر جسد الدولة ، فالخوارج الأوائل أولئك "المُحدِثون" الذين سفكوا الدم الحرام في الشهر الحرام في البلد الحرام وجدوا لاحقاً من يمنحهم الغطاء والشرعية تحت ذريعة "التأويل والاجتهاد" ، وتمَّ إيواؤهم ومناصرتهم بدلاً من إقامة القصاص عليهم ، مع عدم إغفال دور المنافقين في المدينة ممن مردوا على النفاق كما أخبر الله عزَّ وجل عنهم في سورة التوبة آية رقم : 101 قال تعالى : { وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ ۖ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ۖ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ ۖ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ۚ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ } ، مما جعل المدينة بعد ذلك تتحول تدريجياً إلى وكرٍ لكل من يشق عصا الطاعة حتى أوقف الإمام يزيد رضي الله عنه وأرضاه ذلك بوقعة الحرَّة ، حيث كاد أن يتكرر "السيناريو" في سنة 63 هـ ، إذ حاولت ذات الفئة الباغية "الانقلابية" إعادة الكرَّة ؛ فقاموا بخلع بيعة يزيد بن معاوية الشرعية ، وحاصروا بني أمية في دار مروان بالحرَّة حصاراً دموياً لا يختلف عن حصار دار عثمان ، لقد كان "يوم الحرَّة" هو الرد الطبيعي والشرعي لاستئصال هذا الورم الذي تضخَّم بفعل التساهل السابق مع قتلة عثمان ومن آواهم  !


كما روَّج أرباب الدجل من مؤرخي البلاط العباسي أن القتال كان داخل "الحرم" لاستدرار العواطف وإنزال الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري في صحيحه - المجلد الثالث - باب : حرم المدينةبرقم : 1870 "الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَائِرٍ إِلَى كَذَا ، مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا ، أَوْ آوَى مُحْدِثًا ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ" على جيش يزيد في وقعة الحرَّة ، والحقيقة أن الحديث يقع على من استباح المدينة واحدث فيها وآوى البغاة المحدثين المجرمين القتلة الذين قتلوا خليفة المسلمين الشرعي شهيد القرآن عثمان بن عفان عليه أكمل السلام وأتم الرضوان .. 


عندما نجح دهاقين الدجل العباسي في تزوير التاريخ فضحتهم الجغرافيا ، فالمعركة وقعت في "حرة واقم" وهي منطقة بركانية صخرية كانت تبعد عن المسجد النبوي والكتلة العمرانية للمدينة من جهة الشرق بما يقارب 22 كم في وقتنا الحاضر ، وفي ذلك الزمن البعيد تقترب من مسيرة يوم ، أي يجوز للمسافر أثناء مسيره الجمع والقصر إذا حضرته الصلاة وهو بين المدينة "الحرم" والحرَّة "واقم" ، وبناءً عليه ، فإن رواية "إباحة المدينة" هي محض خيال درامي صنعه أبو مخنف لوط بن يحيى لتهييج العواطف ضد بني أمية ..

 

كما أن العمران لم يكن متصلاً ، والحرَّة كانت "خارج حدود المدينة" المسكونة بالتالي ، فإن تطبيق أحاديث "الإحداث في المدينة" على جيش يزيد هو تزوير جغرافي فج وتحريف ديني مفضوح ، فالذين "أحدثوا" وآووا المحدثين حقاً هم الخوارج الانقلابيون في سنة 35 هـ واحفادهم الذين نقضوا البيعة الشرعية في 63 هـ ، بينما كان جيش الشام يقاتل خارج النطاق العمراني للحرم دفاعاً عن استقرار الدولة من عبث الخوارج المتمردين  !


إن تاريخ الخليفة الراشد أمير المؤمنين يزيد بن معاوية رضي الله عنهما هو بمثابة تاريخ "الدولة الراشدة المركزية القوية" في مواجهة فوضى "الميليشيات الإنفصالية والإنقلابات الحزبية" ، فقد كان إمبراطوراً عظيماً حافظ على هيبة العرب ، وأدَّب المتمردين ، ووسَّع الآفاق ، وكان من نتيجة حزمه وحسن تصرفه الحفاظ على الإمبراطورية الكبرى من التفتت في حياته ، وبناءً عليه لم تكن "وقعة الحرَّة" إلَّا عملية جراحية أمنية ناجحة وتطهير أمني ضروري للقضاء على خوارج المدينة بقية المنافقين الذين كادوا أن يغتالوا كبار رجالات الدولة داخل بيوتهم ، وهي الخطوة التي حفظت للإسلام دولته من الانهيار المبكِّر  ..


إنَّ يوم الحرَّة المجيد لم يكن نقمة ، بل كان نعمة ، فلولا حزم يزيد بن معاوية وبطولة مسلم بن عقبة لتحوَّلت المدينة ومكة إلى إقطاعيات للخوارج والمنافقين ، ولضاعت دماء بني أمية والعرب هباءً ، لكن جيش الشام أثبت أن الحق الذي وراءه قوة هو الوحيد القادر على حفظ بيضة الإسلام من عبث "المُحدثين" الذين آواهم التاريخ المزوَّر ، وشُوِّهت من أجلهم سِيَر العظماء .. 


كتبه المؤرخ والباحث / وليد الزهراني

التصنيفات

شارك المقال لتنفع به غيرك

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

ليست هناك تعليقات

5530503018128628799

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث