قُم... فالتغيير لا يأتي إلى الجالسين
من أكبر الأوهام التي يقع فيها الإنسان أن يظن أن التغيير سيأتي إليه وهو جالس ينتظر، أو أن النجاح سيطرق بابه دون سعي، أو أن الهداية والمعرفة والإنجاز تُمنح لمن اعتاد الراحة والركون إلى السكون. إن سنن الله في الحياة قائمة على الحركة والعمل والمجاهدة، لا على الكسل والتواكل.
لقد قيل: "من ابتعد عن الوسادة، اقتربت منه السيادة. ومن لزم الرقاد، حُرم المراد. ومن أكثر النوم، سبقه القوم." وهي كلمات تختصر قانوناً من أهم قوانين الحياة؛ فالأمم المتقدمة لم تصل إلى ما وصلت إليه بالأماني، والأفراد الناجحون لم يبلغوا القمم بالانتظار، وإنما بالعمل المتواصل والحركة الدائمة.
فالإنسان الذي يعتاد الراحة المفرطة يفقد مع الوقت طاقته وهمته، بينما الذي يعتاد النهوض والمبادرة والعمل يكتسب قوةً وخبرةً وفرصاً جديدة كل يوم. ولذلك قيل أيضاً: "من ترك العمل، تركه الأمل." لأن الأمل الحقيقي ليس مجرد أمنيات تُرددها الألسن، بل هو عمل يسير على الأرض ويُترجم إلى خطوات عملية.
ولعل من أجمل الكلمات التي تلخص طريق النجاح: "القمة أساسها: قُم." فكل إنجاز عظيم بدأ بخطوة، وكل مشروع ناجح بدأ بمبادرة، وكل تغيير حقيقي بدأ بقرار النهوض من حالة الركود إلى حالة الحركة.
ومن يتأمل القرآن الكريم يجد أن كثيراً من أوامر الله لأنبيائه ورسله بدأت بكلمة واحدة تحمل معنى الحركة والانطلاق: "قُم".
قال تعالى مخاطباً نبيه ﷺ:
﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾
وقال سبحانه:
﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾
فلم يكن الطريق إلى حمل الرسالة طريقاً من الراحة والسكون، بل طريقاً من القيام والعمل والتضحية والصبر.
وكذلك الهداية نفسها لا تُنال بالجلوس وانتظار المعجزات، بل بالسعي والبحث والمجاهدة. فالله سبحانه لم يعد بالهداية من استسلم للكسل، وإنما وعد بها من بذل جهده وسعى في طلبها، فقال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾
إن الهداية ليست شيئاً يُلقى على قارعة الطريق، ولا سلعة تُشترى من الأسواق، وإنما ثمرة من ثمار المجاهدة والسعي والإخلاص.
ولهذا فإن كل من يريد إصلاح نفسه أو أسرته أو مجتمعه أو أمته يجب أن يبدأ من هذه الكلمة البسيطة والعظيمة في الوقت نفسه: قُم.
قُم من دائرة الشكوى إلى دائرة الفعل.
قُم من انتظار الآخرين إلى صناعة المبادرة.
قُم من التردد إلى القرار.
قُم من الأحلام المجردة إلى العمل المنظم.
فالحياة لا تفسح الطريق للمتفرجين، وإنما تفتح أبوابها للساعين. والتاريخ لا يذكر من جلسوا على الأرائك ينتظرون التغيير، بل يذكر الذين نهضوا وتحركوا وصنعوا الفرق.
فإن أردت مستقبلاً أفضل، أو علماً أوسع، أو مشروعاً أنجح، أو أثراً أبقى، فابدأ من الآن، ولا تؤجل خطواتك إلى غدٍ مجهول.
قُم... فالتغيير لا يأتي إلى الجالسين، وإنما يصنعه العاملون.
بشار محمد الدليمي







إرسال تعليق