قراءة في كتاب التشيع عقدة نفسية لا عقيدة دينية
للدكتور طه حامد الدليمي
كثيرون هم الذين تناولوا التشيع بالدراسة والتحليل، وحاولوا تفكيك بنيته الفكرية والعقدية؛ أملًا في الوصول إلى تفسير يوضح جذوره ونشأته والعوامل التي أسهمت في تشكيله وتطوره عبر التاريخ.
وقد ركزت غالبية هذه المحاولات على دراسة التشيع من الزاوية العقدية؛ بوصف أن العقيدة تمثل الأساس الذي تنطلق منه الأديان والمذاهب، وتتحدد في ضوئه أفكارها ومواقفها وممارساتها. غير أن الدكتور طه حامد الدليمي، في كتابه "التشيع عقدة نفسية لا عقيدة دينية"، يتخذ مسارًا مختلفًا، وينظر إلى التشيع من زاوية نفسية واجتماعية، مستعينًا بمفاهيم علم النفس وعلم الاجتماع في تحليل نشأته وعقائده وطقوسه وممارساته.
ومن هنا يضع الكتاب القارئ أمام سؤال مركزي: ما علاقة علم النفس بظاهرة دينية وعقدية مثل التشيع؟ ولماذا يصر المؤلف على اصطحاب القارئ في جولة داخل النفس الإنسانية للكشف عن جذور مشكلة تبدو، في ظاهرها، دينية وعقدية؟
يقول المؤلف في مقدمته إنه ظل يتأمل الواقع باحثًا عن السر الكامن وراء الحقد الطائفي والممارسات المؤذية والعداء الذي يرتدي لباس الدين. وقد قادته معايشته المباشرة للواقع العراقي وما شهده من أحداث وصراعات إلى طرح مجموعة من الأسئلة والبحث عن تفسير يتجاوز ظاهر العقائد والممارسات إلى الدوافع النفسية والاجتماعية الكامنة وراءها.
فالكتاب لم ينشأ، بحسب ما يبينه مؤلفه، من اهتمام نظري أو ترف فكري، وإنما جاء نتيجة واقع مؤلم عاشه وشاهده وتأثر به، ودفعه إلى البحث عن تشخيص يعتقد أنه أكثر قدرة على تفسير المشكلة.
الحقيقة المفقودة
ينطلق الدكتور طه حامد الدليمي من فكرة أساسية يسميها "الحقيقة المفقودة"، ويرى أن غيابها عن أذهان المهتمين بدراسة التشيع كان سببًا في تعثر كثير من المحاولات التي سعت إلى فهمه أو معالجة آثاره.
ويؤكد أن الوصول إلى التشخيص الصحيح يمثل الخطوة الأولى في طريق العلاج؛ لأن أي معالجة لا تستند إلى فهم دقيق لطبيعة المشكلة وأسبابها ستظل ناقصة أو محدودة الأثر.
وبحسب رؤية المؤلف، فإن العنصر المفقود في الدراسات السابقة هو البعد النفسي والاجتماعي؛ إذ انشغلت تلك الدراسات بمناقشة العقائد والنصوص والأحداث التاريخية، ولم تتعمق بما يكفي في دراسة الدوافع النفسية التي أسهمت في تشكيل تلك العقائد والمواقف والممارسات.
ولذلك يحاول الكتاب الانتقال من السؤال: ماذا يعتقد أتباع التشيع؟ إلى سؤال آخر أكثر عمقًا: ما الدوافع النفسية والاجتماعية التي أسهمت في إنتاج هذه العقائد وترسيخها واستمرارها؟
البحث عن مدخل نفسي
يشير المؤلف إلى أنه واجه صعوبة في العثور على المصادر التي تتناول موضوعه بصورة مباشرة، إلا أنه وجد في كتاب الدكتور مصطفى حجازي "التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور" مدخلًا قريبًا من مجال بحثه.
وقد استعان المؤلف بهذا الكتاب لما يتضمنه من تحليل لمشاعر القهر والحرمان والعجز والاضطهاد، وما يمكن أن تنتجه هذه المشاعر من سلوكيات فردية وجمعية.
ويستضيف الكتاب عددًا من الباحثين والمفكرين الذين يستند المؤلف إلى آرائهم وتحليلاتهم، ومن أبرزهم الدكتور أحمد عزت راجح، والدكتور علي الوردي، والدكتور عماد عبد السلام رؤوف، إلى جانب عدد من الباحثين الأجانب الذين تناولوا الشخصية الإيرانية وتكوينها التاريخي والاجتماعي.
ومن خلال هذه المصادر يحاول المؤلف بناء الإطار النفسي والاجتماعي الذي يستند إليه في تفسير الظاهرة التي يدرسها.
صعوبات التأسيس غير صعوبات البناء
يصف المؤلف كتابه بأنه محاولة أولية لدراسة موضوع مهم وحساس، ويوضح أنه لا يدعي التخصص الدقيق في علم النفس، وإن كانت دراسته للطب قد أتاحت له التعرف إلى بعض مبادئ هذا العلم ومفاهيمه الأساسية.
كما يشير إلى اهتمامه القديم بقراءة كتب علم النفس والاجتماع، وهو الاهتمام الذي شجعه على خوض هذه التجربة، ومحاولة توظيف أدوات هذين العلمين في دراسة التشيع.
ويدعو المؤلف المتخصصين في علم النفس والاجتماع والتاريخ والعقائد إلى المشاركة في دراسة الموضوع وتطويره، مؤكدًا أهمية الجمع بين المعرفة النظرية ومعايشة الواقع؛ لأن الظواهر الاجتماعية والدينية لا يمكن فهمها، من وجهة نظره، من خلال الكتب والمكاتب وحدها.
ويظهر المؤلف في كتابه متمردًا على بعض الأساليب التقليدية في التعامل مع الخلافات الدينية والطائفية، ولا سيما الدعوات التي تكتفي بتجنب الحديث عن مواضع الاختلاف والتركيز على نقاط الاتفاق.
فهو يرى أن الدعوة إلى الرفق وإشعال شمعة بدلًا من لعن الظلام لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لتجنب تشخيص المشكلة أو السكوت عن أسبابها الحقيقية. وكان قد عبّر عن هذا الموقف في كتاب سابق له بعنوان "لا بد من لعن الظلام"، تناول فيه جانبًا من الموضوع الذي توسع فيه لاحقًا في هذا الكتاب.
الوصفة غير مكتملة العناصر
يرى المؤلف أن كثيرًا من المصلحين والمهتمين بشأن التشيع استخدموا وصفات غير مكتملة؛ لأنهم لم ينطلقوا من تشخيص دقيق للمشكلة.
فإذا كان التعامل مع التشيع قائمًا على اعتباره مشكلة عقدية وفكرية فقط، فإن الحلول ستتركز على مناقشة العقائد والنصوص وتصحيح الأفكار. أما إذا كانت وراء تلك العقائد عوامل نفسية واجتماعية، فإن الاقتصار على الحوار العقدي لن يكون كافيًا لتحقيق النتائج المطلوبة.
ومن هنا يقدم المؤلف مدخله النفسي بوصفه العنصر الذي كان غائبًا عن الوصفات السابقة، ويحاول أن يقنع القارئ بأن فهم أعماق النفس الجمعية يمثل ضرورة للوصول إلى تشخيص متكامل.
ويبقى القارئ متشوقًا لمعرفة الكيفية التي سيتمكن بها المؤلف من استخدام أدوات علم النفس والاجتماع في تحليل مشكلة دينية وعقدية شديدة التعقيد.
ما التشيع في رؤية المؤلف
يعرّف المؤلف التشيع بأنه مجموعة من العقد والأمراض النفسية التي سبقت، بحسب رؤيته، تشكله بوصفه مشكلة عقدية أو فكرية. ويرى أن هذه العقد النفسية أفرزت لاحقًا مجموعة من المشكلات العقدية والسلوكية.
ومن خلال هذا التعريف يحدد المؤلف المسار الذي سيسير عليه الكتاب؛ فهو لا يبدأ بدراسة العقائد ومناقشة أدلتها، بل يبدأ بالبحث عن الجذور النفسية التي يعتقد أنها أسهمت في إنتاجها.
ولكي يصل إلى هذه النتيجة، قسم المؤلف كتابه إلى خمسة فصول، ينتقل فيها من شرح المبادئ النفسية العامة، إلى دراسة الأمراض النفسية الجمعية، ثم تحليل الشخصية الفارسية، وتحديد العقد النفسية التي ينسبها إليها، وصولًا إلى تطبيق هذا التحليل على عدد من العقائد والطقوس والممارسات الشيعية.
منشأ الأمراض والعقد النفسية
يبدأ المؤلف الفصل الأول بتعريف القارئ بعدد من مفاهيم علم النفس التي يحتاج إليها لفهم الفصول اللاحقة.
ويتناول في هذا الفصل مبدأ استعادة التوازن، موضحًا أن الإنسان يسعى باستمرار إلى المحافظة على توازنه النفسي والجسدي والاجتماعي، وأن اختلال هذا التوازن يولد توترًا يدفعه إلى القيام بسلوك يهدف إلى إزالة التوتر أو خفضه.
ولا يقتصر السعي إلى استعادة التوازن على الدوافع والحاجات الفسيولوجية، بل يشمل كذلك الحاجات النفسية والاجتماعية، مثل الحاجة إلى التقدير والأمان والانتماء والشعور بالقيمة.
ثم ينتقل المؤلف إلى مجموعة أخرى من المصطلحات والمفاهيم النفسية، مثل التوافق وعدم التوافق، والأزمات النفسية، والإحباط، والحيل الدفاعية، والدوافع الشعورية واللاشعورية.
ويقف بصورة خاصة عند الدوافع اللاشعورية، مبينًا أن الإنسان قد يقوم بسلوك معين، ثم يفسره بأسباب تبدو له منطقية ومقبولة، في حين تكون دوافعه الحقيقية كامنة في أعماق النفس.
وقد تسيطر هذه الدوافع الخفية على الفرد وتوجه أفعاله من دون أن يكون واعيًا بحقيقتها، فيلجأ إلى إيجاد مبررات ظاهرية تختلف عن الأسباب النفسية الفعلية التي دفعته إلى السلوك.
ويعزز المؤلف شرحه لهذه المفاهيم بآراء عدد من المتخصصين، ولا سيما الدكتور أحمد عزت راجح، والدكتور مصطفى حجازي، والدكتور علي الوردي.
ولا يقتصر هذا الفصل على تمهيد الطريق لفهم أطروحة الكتاب، بل يقدم للقارئ مجموعة من المفاهيم التي يمكن أن تساعده على فهم نفسه وعلاقته بالآخرين وبالمجتمع الذي يعيش فيه.
الأمراض النفسية الجمعية
ينتقل المؤلف في الفصل الثاني من دراسة الأمراض النفسية المرتبطة بالفرد إلى دراسة الأمراض النفسية التي يمكن أن تصيب الجماعة.
فالجماعة، سواء أكانت شعبًا أم أمة أم طائفة، تتكون من أفراد تربط بينهم مجموعة من الروابط المشتركة، مثل العقيدة والتاريخ واللغة والثقافة والمصالح والمخاوف والتطلعات.
ويرى المؤلف أن الجماعة تمتلك شخصية تميزها عن غيرها، مثلما يمتلك الفرد شخصية خاصة به. فالأفراد داخل الجماعة يتأثرون بذاكرتها الجمعية وأفكارها وقيمها ومواقفها، ويتحركون في كثير من الأحيان ضمن نمط عام من التفكير والسلوك.
ويحضر التكوين الطبي للمؤلف بوضوح في هذا الفصل؛ إذ يتعامل مع الظاهرة كما يتعامل الطبيب مع حالة مرضية: يبدأ بملاحظة الأعراض، ثم يحاول الوصول إلى الأسباب، قبل أن يحدد طبيعة العلة ويبحث عن العلاج المناسب لها.
ومن خلال هذا المنهج يصل المؤلف إلى النتيجة المركزية التي يقوم عليها كتابه، وهي وجود علاقة بين ما يسميه النفسية الفارسية وبين التشيع الذي تشكل في البيئة الإيرانية وانتقل منها إلى بيئات أخرى.
دراسات في الشخصية الفارسية
يخصص المؤلف الفصل الثالث لدراسة الشخصية الفارسية، ويستعين بعدد من الدراسات والبحوث التي يرى أنها تؤيد النتائج التي يريد الوصول إليها.
ومن أبرز الدراسات التي يشير إليها دراسة الباحث الأمريكي جاك ميلوك عن الشخصية الإيرانية ومكوناتها، وبحث الفرنسي إدوار سابليه بعنوان ايران من الجانب الاخر في كتابه "إيران مستودع البارود"، فضلًا عن البحث الذي قدمه المؤرخ العراقي الدكتور عماد عبد السلام عبد الرؤوف في مقدمة كتاب "الصراع العراقي الفارسي" لنخبة من المؤرخين.
ويعرض المؤلف، استنادًا إلى هذه الدراسات، عددًا من السمات التي ينسبها أصحابها إلى الشخصية الفارسية، ثم يحاول ربطها بالظروف الجغرافية والسياسية والتاريخية التي مر بها المجتمع الإيراني.
وتمثل هذه الدراسات تمهيدًا للفصل الرابع، الذي ينتقل فيه المؤلف إلى تحديد مجموعة من العقد النفسية التي يرى أنها أسهمت في صناعة التشيع بصورته التي يناقشها في الكتاب.
الفكرة حين تنتشر تحمل أخلاق صاحبها
ينطلق المؤلف في هذا الفصل من فكرة مفادها أن الأفكار لا تنتشر منفصلة عن أصحابها، وإنما تحمل معها شيئًا من أخلاقهم وعقليتهم ونفسيتهم وثقافتهم.
فحين تنتقل فكرة من مجتمع إلى آخر، لا تنتقل بوصفها مجموعة مجردة من المبادئ والمقولات، بل قد تصحبها طريقة المجتمع الأول في التفكير والتفسير والتعامل مع الآخرين.
ويرى المؤلف أن التشيع الفارسي لم يكن مجرد مذهب عقدي، بل ارتبط بعوامل سياسية ونفسية واجتماعية، ثم انتقل إلى مجتمعات أخرى حاملًا معه أثر البيئة التي تشكل فيها.
ويطرح هنا سؤالًا مهمًّا: كيف انتقلت تلك النفسية إلى مجتمعات لا تنتمي في أصلها إلى البيئة الفارسية؟ وكيف أصبح بعض المتشيعين من غير الفرس أكثر اندماجًا في الظاهرة من أصحابها الأصليين؟
ويجيب المؤلف عن ذلك بأن ما يناقشه ليس خاصية عرقية، وإنما ظاهرة اجتماعية ونفسية يمكن أن تنتقل عن طريق الأفكار والتربية والولاء الجمعي. وقد يكون المنتمي الجديد إلى الفكرة أكثر تشددًا فيها؛ لأنه يسعى إلى إثبات صدق انتمائه وقوة ولائه.
ومن هنا يقرر المؤلف قاعدته الأساسية: الفكرة لا تنتشر وحدها، بل تحمل معها أخلاق أصحابها وعقليتهم ونفسيتهم.
العقد النفسية الكبرى
يرصد المؤلف مجموعة من العقد النفسية التي يرى أنها أسهمت في تكوين النفسية التي يدرسها، ويضع في مقدمتها عقدتين كبيرتين: عقدة النقص وعقدة الاضطهاد.
ويمثل الشعور بالنقص، بحسب تحليله، المنبع الأساس الذي تفرعت منه عقد نفسية أخرى، في حين نشأ الشعور بالاضطهاد نتيجة لذلك الإحساس العميق بالنقص والعجز والقهر.
ويستعين المؤلف برأي الدكتور عماد عبد السلام عبد الرؤوف في تفسير منشأ هذه العقد، مشيرًا إلى عاملين أساسيين: العامل الجغرافي والعامل السياسي.
فالبيئة الجغرافية والظروف السياسية والحروب والهزائم والصراعات التاريخية أسهمت، بحسب الأطروحة التي يعرضها الكتاب، في تكوين مشاعر نفسية جمعية استمرت آثارها وانتقلت من جيل إلى آخر.
ويذهب المؤلف إلى أن عقدة النقص تقف وراء عدد من العقد الأخرى، مثل الشك والخوف والخداع والشعور المستمر بالتهديد، وأن هذه العقد تفاعلت فيما بينها حتى أنتجت مجموعة من المواقف والأفكار والسلوكيات.
ويعرض الكتاب واحدة وعشرين عقدة نفسية، شارحًا منشأ كل واحدة منها، وعلاقتها بالعقد الأخرى، والكيفية التي ظهرت بها في عدد من الأحداث والممارسات التي شهدها الواقع العراقي.
من العقد النفسية إلى العقائد والطقوس
بعد أن ينتهي المؤلف من تحديد العقد النفسية وشرحها، ينتقل في الفصل الخامس والأخير إلى تحليل مجموعة من العقائد والطقوس والممارسات الشيعية في ضوء الفصول السابقة.
فهو لا يدرس هذه العقائد من زاوية الأدلة والنصوص، بل يبحث عن الوظائف والدوافع النفسية التي يعتقد أنها تقف وراءها.
ويقدم الإمامة بوصفها تعبيرًا عن الحاجة إلى السيد أو القائد الكامل، ويربطها بعقدة النقص والرغبة في التعويض عنها. ثم يناقش العصمة، ويرى أنها ترتبط بعدد من العقد النفسية، وفي مقدمتها الشعور بالذنب والحاجة إلى نموذج إنساني منزه عن الخطأ.
كما يحاول تفسير نشأة المرجعية الدينية من خلال العلاقة بين عقدتي النقص والاضطهاد، ويناقش عقيدة المهدي وما تؤديه من وظيفة نفسية تتصل بانتظار الخلاص واستعادة القوة وتحقيق العدالة المؤجلة.
ويتناول كذلك التقية والمتعة والخمس والقول بتحريف القرآن وبعض الشعائر والممارسات الأخرى، محاولًا ربط كل واحدة منها بعقدة نفسية أو بمجموعة من العقد التي شرحها في الفصول السابقة.
وتتكامل في هذا الفصل لوحة المؤلف؛ إذ تتحول المفاهيم النفسية التي عرضها في بداية الكتاب إلى أدوات يطبقها على العقائد والطقوس والممارسات التي يتناولها.
خلاصة الكتاب
يضع المؤلف في نهاية كتابه مجموعة من المصطلحات النفسية التي قد لا يكون القارئ على معرفة سابقة بها، ويشرحها لتسهيل فهم التحليلات والمفاهيم التي وردت في الفصول المختلفة.
وتتمثل الفكرة المركزية للكتاب في أن التشيع، وفق رؤية المؤلف، لا يمكن فهمه من خلال مناقشة عقائده وأفكاره الظاهرة وحدها، وإنما ينبغي الرجوع إلى الدوافع النفسية والاجتماعية التي يعتقد أنها أسهمت في نشأته وتطوره.
لقد حاول الدكتور طه حامد الدليمي أن يضع التشيع أمام أدوات علم النفس والاجتماع، وأن يعيد قراءة عقائده وطقوسه وممارساته في ضوء مفاهيم القهر والحرمان والإحباط والشعور بالنقص والاضطهاد والحيل الدفاعية والدوافع اللاشعورية.
ويرى أن الانشغال بحلول لا تستند إلى التشخيص الصحيح يمثل مضيعة للوقت والطاقات، وأن أي مشروع للإصلاح أو المعالجة ينبغي أن يبدأ بإعادة تشخيص الظاهرة من جذورها النفسية والاجتماعية.
ومن هنا يمكن أن يكون هذا الكتاب، بحسب الغاية التي أرادها مؤلفه، نقطة انطلاق للباحثين والمصلحين من أجل إعادة النظر في طرائق دراسة التشيع، وعدم الاقتصار على المدخل العقدي والتاريخي، بل الانفتاح كذلك على علم النفس وعلم الاجتماع.
وفي نهاية الكتاب يقرر الدكتور طه حامد الدليمي أن ما عرضه يمثل تشخيصه لأهم العقد النفسية وما انبثق عنها، بحسب رؤيته، من عقائد وشعائر وطقوس وممارسات.
وبعد أن يضع المؤلف تشخيصه بين يدي القارئ، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه:
إذا كان هذا هو التشخيص، فأين العلاج؟
أما العلاج، فيترك المؤلف وصفته لكتاب آخر، لتكون نهاية هذا الكتاب بداية لمرحلة جديدة من البحث.
الأستاذة: نور عبد الهادي







إرسال تعليق