اللعبة أكبر من قسد: فك شفرة المرحلة القادمة
"المواجهة الكبرى في العراق"
1. الإطار العام والتحول في العقيدة العسكرية للتحالف
يشهد المشهد الجيوسياسي في المشرق العربي "انعطافة استراتيجية" (Strategic Pivot) في الهندسة الأمنية التي تقودها الولايات المتحدة، حيث انتقلت العقيدة العسكرية من الارتكاز على الوكلاء المحليين والقوى غير النظامية المتمثلة في "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، إلى إعادة الاعتبار لمؤسسة "الدولة" متمثلة في الجيش السوري. هذا التحول يعكس إعادة صياغة شاملة لـ "البنية الأمنية" (Security Architecture) في المنطقة؛ فرغم الاستثمارات المالية والعسكرية الضخمة التي ضختها واشنطن في مشروع "قسد"، إلا أن المعطيات الميدانية تشير إلى أن مناطق سيطرة هذا الفصيل بدأت تنهار بـ "مباركة أمريكية" واضحة لصالح تمدد الجيش السوري. إن هذا التحول من "الانتشار الأمامي" (Forward-deployed footprint) إلى "وضعية دفاعية موحدة" في إقليم كردستان العراق يمثل نهاية مرحلة "الارتهان للميليشيات" وبداية مرحلة الاعتماد على القوى النظامية القادرة على فرض الاستقرار العابر للحدود.
2. انضمام سوريا للتحالف الدولي: الالتزامات الجيوسياسية والتداعيات
يمثل توقيع ”الرئيس السوري أحمد الشرع" على اتفاقية انضمام الدولة السورية للتحالف الدولي لمحاربة الإرهاب نقطة فاصلة في الشرعية الدولية لدمشق. هذا التوقيع ليس مجرد إجراء بروتوكولي، بل هو "تحول جوهري" يضع الجيش السوري تحت مظلة الالتزامات العسكرية الدولية، ويغير طبيعة "عقيدته القتالية" لتتوافق مع معايير التحالف.
بموجب هذا الانضمام، تبلورت قائمة التزامات صارمة تتجاوز محاربة تنظيم "داعش" لتشمل:
• استهداف كافة التنظيمات المدرجة دولياً: الالتزام بملاحقة وتفكيك كافة الكيانات الواردة في قوائم الإرهاب الأمريكية، وهو ما يمنح الجيش السوري تفويضاً دولياً للتحرك ضد أي مجموعات مسلحة خارج إطار الدولة.
• مواجهة الفصائل العابرة للحدود: الالتزام بمواجهة "الفصائل العراقية الموالية لإيران" (المصنفة إرهابياً) والتي تنشط على خطوط الإمداد الاستراتيجية، مما يجعل الجيش السوري في حالة صدام مباشر مع أذرع طهران الإقليمية.
• الاندماج العملياتي: التنسيق الكامل مع غرفة عمليات التحالف الدولي، مما يعني أن تحركات الجيش السوري باتت جزءاً من "إسقاط القوة" (Force Projection) الأمريكي في المنطقة.
3. الجغرافيا السياسية للانتشار: من حلب إلى الحدود وتفكيك "صفقات الظل"
لم يكن وصول القوات السورية إلى الحدود العراقية وتجاوز نطاق عملياتها في أحياء "الأشرفية" و"شيخ مقصود" بحلب وليد الصدفة، بل كان نتيجة تحول دراماتيكي في مسار التفاوض. وتشير المعطيات الاستخباراتية إلى ما يُعرف بـ "واقعة الشيباني"؛ حيث تدخل وزير الخارجية السوري (أسعد الشيباني) لقطع اجتماعات كانت تجري بين قيادات من "قسد" وممثلين عن الحكومة السورية لتوقيع اتفاقيات جانبية، معلناً بذلك نهاية عهد "التفاهمات المحلية" مع الوكلاء لصالح استراتيجية "الدولة الموحدة" المدعومة دولياً.
إن هذا الانتشار على الحدود العراقية يعزز من دور الجيش السوري كبديل استراتيجي لـ "قسد" في المهام القتالية الحدودية. تكمن الأهمية هنا في امتلاك الجيش السوري لـ "شرعية الدولة" والعمق القومي، مما يجعله القوة الوحيدة القادرة على ضبط الحدود ومنع تسلل الفصائل الموالية لإيران في حال نشوب مواجهة عسكرية مباشرة بين واشنطن وطهران، وهو دور تفتقر "قسد" لشرعيته وسوسيولوجيته في تلك المناطق.
4. إعادة تموضع القوات الأمريكية: لغز "عين الأسد" والهروب من "المستنقع"
تمثل رمزية رفع العلم العراقي فوق قاعدة "عين الأسد" وانتقال الثقل الأمريكي نحو قاعدة "حرير" في أربيل "انسحاباً تكتيكياً استباقياً". هذا الإجراء جاء مدفوعاً بضغوط سياسية في واشنطن (يقودها أقطاب مثل السيناتور تيد كروز وبتوجيهات من إدارة ترامب) تدفع نحو أجندة "تغيير النظام" في إيران.
لقد كشفت التقارير الاستخباراتية عن "تهديد وشيك" (Proximate Threat) يتمثل في نية الفصائل الموالية لإيران القيام بهجوم بري وصاروخي واسع على القواعد الأمريكية المكشوفة في العراق، مما دفع واشنطن لإعادة التموضع لتجنب تكرار "مستنقع عام 2003". هذا الفراغ العسكري المتعمد في مناطق التماس خلق حاجة ملحة لـ "مقاول بري" (Ground Contractor) يمتلك الكفاءة النظامية والشرعية القانونية لملء الفراغ، وهو ما لا يتوفر إلا في الجيش السوري الجديد.
5. الجيش السوري كبديل استراتيجي: سيناريوهات "ما بعد الفوضى"
في حال تنفيذ سيناريو استهداف القيادة العليا في إيران (المرشد الأعلى)، تتوقع التقديرات الاستراتيجية حدوث "فوضى عارمة" في العراق قد تؤدي إلى انقسام الجيش العراقي أو دخوله في حرب أهلية نتيجة التغلغل الميليشياوي. هنا تبرز الميزة التنافسية للجيش السوري؛ فهو لا يمثل تهديداً مذهبياً أو قومياً للمكونات المحلية.
من الناحية السوسيولوجية، تمتلك المناطق السنية (الأنبار، الموصل، صلاح الدين) "حاضنة شعبية" تميل لقبول الجيش السوري كقوة "عربية قومية نظامية" تخلصها من "تغوّل" الفصائل الشيعية أو "طموحات" القوى الكردية غير النظامية.
مقارنة القوى الفاعلة في المنطقة الحدودية:
وجه المقارنة | قوات سوريا الديمقراطية (قسد) | الفصائل الموالية (الحشد) | الجيش السوري (الجديد) |
الهوية العسكرية | قوى غير نظامية (عرقية) | فصائل مسلحة (مذهبية) | مؤسسة عسكرية نظامية (وطنية) |
الأساس القانوني | قرارات محلية/دعم مؤقت | قانون محلي (مثير للجدل) | معاهدة دولية (التحالف الدولي) |
الحاضنة الشعبية | مرفوضة في المناطق العربية | مرفوضة في الوسط السني | مقبولة كبديل عربي نظامي |
الاعتراف الدولي | وكيل بري مؤقت | جزء منها مصنف "إرهاب" | شريك رسمي للتحالف الدولي |
6. الاستنتاجات الاستراتيجية: نحو "شرق أوسط جديد"
إن التحول من "اللعب مع الوكلاء" إلى "التحالف مع الدول" يمثل حجر الزاوية في استراتيجية الردع الأمريكية القادمة ضد النفوذ الإيراني. لم يعد الجيش السوري مجرد أداة لحماية حدود سوريا، بل أصبح "الممثل الرسمي" المعتمد للتحالف الدولي في المهام الأكثر تعقيداً.
النتائج الجوهرية:
1. ريادة المهام البرية: الجيش السوري هو القوة النظامية الوحيدة الموكلة بمهام "تطهير" العمق الجغرافي من الفصائل العابرة للحدود بموجب الصلاحيات الدولية الجديدة.
2. تحجيم الأذرع الإقليمية: استخدام "شرعية الدولة السورية" لقطع الجسر البري الإيراني (طهران - بغداد - دمشق - بيروت) عبر السيطرة النظامية على المنافذ.
3. الاستقرار الهيكلي: يمثل الجيش السوري الأداة الوحيدة لضمان استقرار "المناطق السنية" في العراق وسوريا ومنع تحولها إلى ملاذات آمنة للتنظيمات المتطرفة في حال انهيار الدولة في العراق.
إننا أمام مشهد إقليمي جديد تعاد فيه صياغة التحالفات بناءً على "وزن الدولة" لا "قوة الميليشيا"، حيث يبرز الدور السوري القادم كعنصر توازن حيوي في استراتيجية المواجهة الكبرى.
الأستاذ: بشار محمد الدليمي







إرسال تعليق