محافظات العرب السُنة: القوة الكامنة والثروات المهدورة

الكاتب: مركز الفكر الرابع للدراسات والبحوث العلميةتاريخ النشر: آخر تحديث: وقت القراءة:
للقراءة
عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق


 

محافظات العرب السُنة: القوة الكامنة والثروات المهدورة

خلف ضباب الحروب وصور الصحاري المترامية التي رسمها الإعلام لسنوات، تختبئ حقيقة جيوسياسية مذهلة تعيد تعريف خارطة القوة في الشرق الأوسط. نحن لا نتحدث عن مجرد أطراف جغرافية، بل عن "عملاق مكاني" يمثل نصف مساحة العراق فعلياً، ويحتضن 14 مليون نسمة يتربعون على عرش ثروات تضاهي ميزانيات دول بأكملها. فماذا يعني أن تمتلك منطقة واحدة هذا التنوع الإستراتيجي الهائل، وهل نحن أمام مجرد محافظات، أم أمام مشروع قوة اقتصادية إقليمية تنتظر ساعة الصفر؟


"نصف العراق" – جغرافيا تتجاوز حدود الخيال

تكسر أرقام الصورة النمطية بحدة؛ فالمحافظات الخمس (الأنبار، نينوى، صلاح الدين، ديالى، وكركوك) تمتد على مساحة 210 ألف كيلومتر مربع، ما يعادل نصف مساحة البلاد. هنا تبرز الأنبار كـ "قلب الجغرافيا النابض" بثلث مساحة العراق، لتشكل عمقاً إستراتيجياً يجعل منها منطقة ترانزيت عالمية تربط الخليج العربي ببلاد الشام والأناضول عبر حدودها المشتركة مع أربع دول (السعودية، الأردن، سوريا، وتركيا).

"تعادل مساحة الانبار لوحدها مساحة اربع دول خليجية.. وتمتلك ثروات هائلة تعدل ثروات دول".


أبعد من النفط: سيمفونية المعادن والطاقة المتجددة

بينما يكتفي العالم بالنظر إلى حقل كركوك كخامس أكبر حقل نفطي عالمي، تكتنز باطن هذه الأرض "كنزاً معدنياً" يضعها في الصدارة الدولية. من حقول "عكاشات" لتصدير النفط و"عكاز" للغاز الطبيعي في الأنبار، وصولاً إلى حقول "خانه" ومصفى "الوند" في ديالى، ومصفى "بيجي" العملاق في صلاح الدين.

لكن القصة الحقيقية تكمن في المعادن النادرة؛ فالفوسفات، الكبريت، النحاس، الذهب، واليورانيوم، ليست مجرد موارد، بل هي وقود لصناعات عالمية (أسمدة، زجاج، سيراميك) يمكنها تحويل المنطقة إلى قطب صناعي دولي. ولا تتوقف الرؤية عند باطن الأرض، بل تمتد لسمائها؛ حيث تمتلك صحراء الأنبار الشاسعة إمكانيات هائلة لاستثمار الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، ما يكفي لتحقيق اكتفاء ذاتي كامل من الكهرباء بل وتصديرها.


سلة الغذاء والسيادة المائية

تتحول الصحراء في هذه المناطق إلى واحات بفضل "إرادة الموارد"؛ حيث إن 70% من الأراضي صالحة للزراعة، يسقيها شريان الحياة في نهري دجلة والفرات وسد الموصلأكبر خزان مائي في العراقوسدود حديثة وسامراء وديالى، اضافة الى المياه الجوفية في صحراء الأنبار.

هنا تتجلى نينوى كعاصمة للقمح والزيتون، وتبرز ديالى كـ "سلة العراق" ومدينة البرتقال العالمية. ولعل التجربة الأبرز تكمن في الأنبار، التي أعلنت في عام 2019 اكتفاءها الذاتي من محاصيل إستراتيجية بعد نجاح مهندسيها في "تشجير الصحراء"، مما يثبت أن هذه الجغرافيا قادرة على تأمين الأمن الغذائي للمنطقة بأسرها إذا ما تحررت من سطوة الحكومة المركزية.


التاريخ كرافعة اقتصادية: 1800 موقع في مدينة واحدة

تحت رمال هذه المحافظات يرقد تاريخ البشرية الأول؛ ففي نينوى وحدها يوجد أكثر من 1800 موقع سياحي وأثري، من قرى العصر النطوفي إلى غابات الموصل الساحرة. وفي الأنبار، تتجذر الأصالة في "نواعير حديثة"، وقلعة "هيت"، ومنارة "عانة"، بينما تفتح ديالى أبواب التاريخ عبر مدينة "أشنونا" القديمة (تل أسمر).

إن استثمار هذا الإرث، جنباً إلى جنب مع السياحة العلاجية في عيون "وادي حجلان" و"حمام العليل" والبحيرات الكبرى كالحبانية والثرثار، يمثل فرصة ضائعة؛ فالتطوير السياحي في هذه المناطق كفيل بتوفير آلاف الوظائف وجذب استثمارات تتجاوز المليار دولار سنوياً.


الفيدرالية: رؤية للإدارة والتعايش

أمام هذا الثراء الفاحش، يطرح النظام الفيدرالي أو "نظام الأقاليم" كطوق نجاة إداري وهوياتي. ليس هذا الطرح مجرد طموح حديث، بل هو استحقاق دستوري صوّت عليه مجلس محافظة صلاح الدين رسمياً في عام 2011. تهدف هذه الرؤية إلى:

  • الإدارة الذاتية: تمكين أبناء المنطقة من إدارة حدودهم وجماركهم وملفاتهم الأمنية عبر قوات محلية.
  • الحماية الثقافية: الحفاظ على الهوية الدينية السُنية والمناهج الدراسية بعيداً عن البرامج الطائفيّة والتدخلات الخارجية.
  • الإعمار الصناعي: إعادة إحياء 2000 مصنع حرفي في الموصل، وتطوير الشركات العامة مثل "شركة الفوسفات" و"أدوية سامراء".

وفي كركوك، يبرز التنوع العرقي كعنصر قوة؛ حيث يمكن لهذا "العراق المصغر" أن يتحول إلى نموذج استقرار عالمي يشبه "النمسا أو بلجيكا" إذا ما تخلصت من سطوة المليشيات والتدخلات الإقليمية التي تسعى لسرقة ثرواتها.


خاتمة: صراع الممكن والواقع

تمتلك المحافظات السُنية الخمس كافة مقومات "الدولة القوية": جغرافيا إستراتيجية، ثروات معدنية عالمية، أمن مائي، وعمق تاريخي. إنها ليست مجرد مساحات على الخريطة، بل هي محرك اقتصادي معطل ينتظر "الإرادة السياسية" للتحرر من أفكار المركزية القديمة وسطوة المليشيات.

ويبقى السؤال الذي يواجه مستقبل العراق: إذا كانت هذه هي الإمكانيات الحقيقية لنصف الدولة، فهل العائق أمام تحولها إلى قوة اقتصادية إقليمية هو نقص الموارد، أم أن تعثر الإرادة السياسية هو الثمن الذي تدفعه هذه الأرض للبقاء خلف ستار الإهمال؟

——————-

بشار محمد الدليمي

شارك المقال لتنفع به غيرك

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

ليست هناك تعليقات

5530503018128628799

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث