عقلية الثائر أم منطق الدولة؟ حقائق صادمة ترسم مستقبل الكورد في سوريا

الكاتب: مركز الفكر الرابع للدراسات والبحوث العلميةتاريخ النشر: آخر تحديث: وقت القراءة:
للقراءة
عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق


عقلية الثائر أم منطق الدولة؟ 
حقائق صادمة ترسم مستقبل الكورد في سوريا

فخ الهدنة وساعة الرمل الأمريكية

إن إعلان تمديد وقف إطلاق النار الذي صدر مؤخراً ليس "مكرمة" من دمشق، بل هو ساعة رمل وُضعت خيوطها في البيت الأبيض. إنها ليست استراحة محارب، بل "فخ الهدنة" والمهلة الأخيرة التي تمنحها القوى الكبرى قبل الانهيار الكبير. الحقيقة المرة التي يجب أن يواجهها القادة الكورد هي أن المشهد لا يُدار بالعواطف أو "الرفقة" القديمة في خنادق محاربة داعش، بل بمشاريع جيوسياسية كبرى تتجاوز الحدود. السؤال الذي يطرح نفسه ببرود قاتل: هل تدرك القيادة الكردية أن هذه المهلة هي "الفرصة الثانية" التي قد لا تتبعها ثالثة؟

الحقيقة الأولى: الهدنة قرار "البيت الأبيض"

يخطئ من يظن أن قرار التمديد اتُخذ في أروقة السيادة السورية؛ الحقيقة الصادمة هي أن القرار صِيغ في واشنطن لغرض وحيد: منح الكورد مهلة أخيرة للتفكير في العرض الأمريكي-البريطاني الذي رُفض سابقاً. هذا العرض ليس دبلوماسياً ناعماً، بل هو مقايضة صلبة: "حاربوا الحشد الشعبي لتضمنوا بقاءكم". لقد رفضتم العرض سابقاً بدعوى أنكم "لستم مرتزقة"، وكانت النتيجة خسارة أراضٍ شاسعة وانهياراً دراماتيكياً.

"الأمريكيون يمنحون فرصة ثانية دائماً لاتخاذ القرارات المصيرية، وهذه المهلة هي بمثابة تلك الفرصة الأخيرة قبل أن تُرفع المظلة تماماً."

الحقيقة الثانية: سحب البساط .. الانهيار استخباراتي وليس عسكرياً

إن خسارة المناطق الشاسعة مؤخراً لم تكن نتيجة عبقرية عسكرية للجيش السوري، بل كانت نتيجة "عملية جراحية" استخباراتية دولية (أمريكية-بريطانية) نجحت في سحب البساط المجتمعي من تحت أقدامكم. لقد تم تغيير موقف العشائر العربية تجاهكم بلمحة بصر؛ فهذه العشائر، بتركيبتها البنيوية، تميل دائماً نحو السلطة القائمة والقوة التي تفرض سيادتها، وهي اليوم ترى في المشروع الجديد وجهة الريح. أنتم لا تواجهون بنادق محلية، بل تواجهون قدرات استخباراتية دولية هائلة صممت "الانهيار الداخلي" ليكون أسرع من أي زحف عسكري.


الحقيقة الثالثة: صناعة "رجل الدولة" 

(دروس من تجربة الرئيس أحمد الشرع)

انظروا إلى "الرئيس أحمد الشرع" (الجولاني سابقاً) لتعرفوا كيف تُدار اللعبة. كيف يتحول شاب كان مطلوباً دولياً بتهم الإرهاب إلى "سيادة الرئيس" الذي تفتح له أبواب الملوك وتُسوّق له الإدارة المركزية الأمريكية؟ السر يكمن في "المصالح الاستراتيجية". لقد خضع الشرع لتدريب مكثف ومر بتجارب مؤلمة ليتحول من زعيم تنظيم متطرف إلى "رجل دولة" يسير مع اتجاهات البوصلة الدولية، ليحجز مقعده في النظام الإقليمي الجديد. العالم اليوم لا يدعم الثوار "وعقلية الميليشيات"، بل يدعم من "يلتزم منطق الدولة".

الحقيقة الرابعة: فخ "عقلية الثائر" في مواجهة "واقعية الدولة"

المعضلة الكردية القسدية الكبرى هي الغرق في "عقلية الثائر" المتمسك بالمبادئ والأيديولوجيا الجامدة، في وقت يتطلب فيه المشهد "عقلية رجل الدولة" الذي يحسب الربح والخسارة. السياسة ليست ساحة للأخلاق المطلقة، بل هي فن الممكن. عندما رفضتم العرض الأمريكي البريطاني بحجة "عدم العمل كمرتزقة"، ارتكبتم خطأً استراتيجياً فادحاً؛ فالمبادئ في علم السياسة لم تُخلق لتكون قيداً يذبح الشعوب، بل وُجدت لخدمة المصالح وتحقيق الازدهار.

"المبادئ في علم السياسة وجدت لخدمة المصالح؛ مصالح الدولة ومصالح الشعب، وليست قيوداً انتحارية تؤدي إلى فناء أمة كاملة."


الحقيقة الخامسة: ترامب والواقعية القاسية (لا شيء مقابل لا شيء)

تتعامل إدارة ترامب بمنطق "الصفقة" (Give to Get). ترامب لا يسمع إلا صدى صوته ومصالح بلاده المادية؛ هو مستعد للتخلي عن "الناتو" وأوروبا، فهل تظنون حقاً أنه سيهتم بـ "صداقة قديمة" في محاربة داعش؟.. انها لن تغير في الحسابات المادية لترامب شيئاً. لا وساطات ولا دموع ستغير المعادلة؛ فإما أن تقدموا عرضاً ملموساً يخدم مشروع "سوريا والشرق الأوسط الجديد" الذي تقوده واشنطن ولندن، أو ستجدون أنفسكم خارج التاريخ.

الخاتمة: قرار اليوم .. أو ضياع المئة عام القادمة

إن القرار الذي ستتخذه القيادة الكردية في سوريا خلال هذه المهلة لن يحدد مستقبل شمال سوريا فحسب، بل سيرسم مصير الوجود الكردي في المنطقة (بما في ذلك إقليم كوردستان العراق) لمئة عام قادمة. أنتم أمام خيارين: إما التمسك بشعارات الثورة وانتظار التصفية الجيوسياسية، أو تبني منطق الدولة وتقديم التنازلات المؤلمة لضمان بقاء الأمة. إن مواجهة "مشروع الشرق الأوسط الجديد" الأمريكي-البريطاني تعني الانتحار السياسي.

التساؤل الختامي للقادة الكورد: "هل أنتم مستعدون لتجاوز أيديولوجيا الثورة من أجل إنقاذ مستقبل أمة كاملة، أم ستظلون أسرى للمبادئ بينما تُنتزع الأرض من تحت أقدامكم؟

أنتم تلعبون في الوقت بدل الضائع، وتلعبون بين الكبار. الفرص لم تعد كثيرة، والأخطاء لم تعد تُغتفر. فإمّا أن ترتقوا إلى مستوى المسؤولية، أو تغادروا الملعب بصمت.

————————


الأستاذ: بشار محمد الدليمي


شارك المقال لتنفع به غيرك

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

ليست هناك تعليقات

5530503018128628799

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث