عقبة بن نافع الفهري — القائد العسكري الأموي العظيم
وباني القيروان قاعدة الفتح العربي في المغرب
هو عقبة بن نافع بن عبد القيس بن لقيط بن عامر بن أميّة بن الظّرب بن الحارث بن عامر بن فهر بن مالك بن النضر (قريش) بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان ..
اتفقت المصادر على وجود صلة قرابة بينه وبين القائد العسكري العظيم والفاتح الكبير عمرو بن العاص رضي الله عنه وارضاه ، واختلفوا في تحديد هذه الصلة ، فقال ابن الأثير الجزري في "أُسد الغابة ج 4 ص57" إنه كان أخاً لعمرو بن العاص لأُمِّه السيدة سلمى بنت حرملة الجلانية العنزية ، وقال ابن عبد البر في "الإستيعاب ص 563" إنه ابن خالة عمرو بن العاص ، وقال ابن حجر العسقلاني في "الإصابة ج 5 ص 64" أن عمراً خاله ، وقال الذهبي في "السير ج 3 ص 533-534" هو ابن أخي العاص بن وائل السهمي لأُمِّه ، حيث كان العاص بن وائل ونافع بن عبد قيس إخوة من الأُم ..
كان عقبة بن نافع رضي الله عنه في طليعة الجيش الذي بعثه أمير المؤمنين عمر الفاروق عليه السلام لفتح مصر عام 20 هـ ، وجعل قيادته للفاتح العظيم عمرو بن العاص رضي الله عنه وارضاه ، ثمَّ شارك في فتح برقة "ليبيا الغربية" تحت قيادة عمرو بن العاص عام 22 هـ وبعثه عمرو بن العاص إلى زويلة والواحات ففتحها عقبة ، ثمَّ ولَّاه والي مصر العظيم عمرو بن العاص بعد ذلك على برقة والمناطق التي افتتحها غرب مصر ، وفي ولاية عبدالله بن سعد بن أبي السرح رضي الله عنه لمصر في عهد أمير المؤمنين عثمان الشهيد عليه السلام شارك عقبة في فتح سبيطلة عام 27 هـ ، وبعدها عاد عقبة إلى مصر سنة 28 هـ ، وظلَّ بمصر حتَّى عام 47 هـ إذ ولَّاه القائد والفاتح الكبير معاوية بن حديج رضي الله عنه والي مصر في عهد أمير المؤمنين معاوية العظيم عليه السلام على ولاية حرب إفريقية ، وفي عام 50 هـ فصل أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما ولاية إفريقية عن ولاية مصر ، وولَّى على إفريقية عقبة بن نافع ، فافتتح سرت وجرمة وقصطيلية ومجانة ، وأمر ببناء القيروان لتكون معسكراً لرباط المسلمين وقاعدة لجيوش الفتح العربية في المغرب بعد ذلك ، واستمر بناؤها من عام 51 هـ إلى عام 55 هـ وبنى بها المسجد الأعظم المعروف اليوم بجامع عقبة بن نافع رضي الله عنه وأرضاه ..
وفي سنة 55 هـ تم عزل عقبة بن نافع عن ولاية إفريقية ، وعُيِّن خلفاً له أبو المهاجر بن دينار ، فسار عقبة إلى دمشق ، وظلَّ بها حتَّى وفاة أمير المؤمنين معاوية العظيم عليه السلام سنة 60 هـ ، ثمَّ ولَّاه أمير المؤمنين الإمام يزيد عليه السلام ، مرَّة أخرى على إفريقية عام 62 هـ ، فدخلها وافتتح الجريد وتاهرت ، وقاتل أوربة أحد أشرس قبائل البربر ، فهرب زعيمهم كسيلة ، وصالح يُليان حاكم طنجة وسبتة على الجزية ، ثمَّ افتتح السوس الأدنى والسوس الأقصى حتى وصل إلى المحيط الأطلسي "بحر الظلمات" وفي طريق العودة إلى القيروان صرف عقبة جل عساكره إلى القيروان ، وبقي معه حوالي 300 رجل فقط ، فاستغل كسيلة الخبيث ذلك ، وحشد جيشاً من البربر والروم قوامه خمسون ألف مقاتلٍ تقريباً والتقى مع عقبة وأصحابه الذين لا يتجاوزون 300 مجاهد ، فاستشهد عقبة ومعه أبو المهاجر بن دينار وأغلب الجيش ، ووقع في الأسر قلَّة منهم ، وتزامن استشهاده مع وفاة أمير المؤمنين يزيد بن معاوية رضي الله عنهما ، فعاد انحصار سلطان المسلمين في الجبهة الغربية إلى القيروان في إفريقية حتَّى عودة الفتح العربي في عهد أمير المؤمنين عبدالملك بن مروان ثمَّ ابنه أمير المؤمنين الوليد رضي الله عنهم أجمعين ..
إن عقبة بن نافع الفهري أحد كبار القادة العرب في صدر الإسلام ، ورمز من رموز التمكين السياسي والعسكري للدولة الأموية الراشدة في الغرب ، إذ لم يكن قائداً عابراً ، ولا مغامراً منفرداً ، إنما رجل دولة وسيف مشروع إمبراطوري ، خرج إلى إفريقية بعقلية التأسيس لا بعقلية الغزو المؤقت ..
نشأ عقبة في بيئة عسكرية خالصة ، وتشكَّل وعيه القتالي في مدرسة عمرو بن العاص المدرسة التي جمعت بين الحسم العسكري ، وإدارة الأرض المفتوحة ، وضبط الجند ، وربط السيف بالسياسة ، وقد كان عقبة حاضراً مع عمرو في مصر زمن الفتح ، وهذه الصحبة المبكِّرة تفسِّر صلابة عقبة ، وبعد نظره ، وابتعاده عن التهور الذي تحاول بعض الأقلام المتأخرة إلصاقه به ، لم تكن إفريقية ساحة مفتوحة لكل من أراد المجد الشخصي ، بل كانت ملفاً استراتيجياً بيد الخلافة الأموية ، وقد جاء تكليف عقبة صريحاً من مركز القرار في دمشق ، في عهد الإمام العظيم معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما ..
« ولَّى معاويةُ بن أبي سفيان معاوية بن حُديج السكوني مصر ، فبعث في سنة خمسين عُقبةَ بن نافعٍ إلى إفريقية فغزا المغرب واختطَّ القيروان » البلاذري ، فتوح البلدان ، ص 268
هذا النص وحده يهدم أكذوبة "القائد المنفرد" ، ويضع عقبة في موضعه الصحيح قائد مُكلَّف بمهمَّة ضمن مشروع دولة وبعث إمبراطورية ..
أعظم ما يُذكر لعقبة بن نافع هو بناء مدينة القيروان ، وهو إنجاز لا يقل شأناً عن أعظم الفتوح العسكرية ، فالقيروان لم تكن مدينة كغيرها من المدن ، إنَّما قاعدة عسكرية ، ودار هجرة ، ومركز سيادة عربية دائمة ، ومنارة علمٍ وحضارة ، أصبحت بعد ذلك من حواضر العرب والإسلام الكبرى في الغرب ..
وقد نصَّت المصادر على ذلك بوضوح ، فيقول ابن عبد الحكم ، في فتوح مصر وإفريقية ، ص 200 : « واختطَّ عُقبةُ بن نافعٍ القيروانَ سنةَ خمسين » ، ويقول الطبري ، في تاريخ الرسل والملوك ، ج 5 ، ص 254 : « وكانت القيروانُ مأرزَ الإسلامِ بإفريقية »
بناء القيروان كان بمثابة إعلاناً صريحاً أن إفريقية دخلت دار الإسلام دخولًا نهائيًا ، لا رجعة فيه !
استمرَّت حركة الفتح والتثبيت في إفريقية في عهد الإمام يزيد بن معاوية رضي الله عنهما ، ولم تتوقف بوفاة قائد أو تغيِّر والٍ ، حتَّى بلغت جيوش الفتح العربية إلى ما بعد مرتفعات جبال أطلس في أقصى المغرب وشواطئ بحر الظلمات "المحيط الأطلسي ، يقول ابن الأثير ، في الكامل في التاريخ ، ج 4 ، ص 156 : « وكانت إفريقيةُ في أيامِ معاويةَ ويزيدَ تُفتحُ وتُغزى »
وهنا تظهر خيانة مرتزقة البلاط العباسي للتاريخ ؛ إذ حاولوا لاحقاً فصل الفتح عن قيادته الأموية ، وسرقة الجهد السياسي والعسكري ، ونسبته لأفراد بعد تفريغه من سياقه الحقيقي !
ولمَّا قُتل عقبة بن نافع في كمين ، بقي أثره ولم يُقتل معه ، ولم تسقط القاعدة التي بناها ، يقول ابن خلدون ، في العِبَر ، ج 4 ، ص 129 : « ولم تزل القيروانُ دارَ الإسلامِ بإفريقية بعد مقتلِه »
وهذه شهادة من ابن خلدون فاصلة ، فالمشروع بقي ، والدولة ثبتت ، والفتح استمر بعد ذلك ولم يذهب جهد وجهاد عقبة بن نافع سدى لأنه مشروع دولة مدعوم من الخلافة الراشدة الأموية في دمشق ..
إنَّ عقبة بن نافع الفهري رضي الله عنه تخرَّج من مدرسة الوالي العظيم والقائد العسكري الفاتح الكبير عمرو بن العاص رضي الله عنه وارضاه السياسية والعسكرية ، وعمل بتكليف ودعم الخليفتين الراشدين الإمامين معاوية وابنه يزيد رضي الله عنهما ، فثبَّت الفتح ببناء القيروان حجر الأساس للوجود العربي في المغرب ..
هو قائد دولة لا بطل رواية ، وفاتح حضارة لا اسماً مغامراً على الهامش ، ومن أراد فهم تاريخ فتوح إفريقية والمغرب ، فليبدأ من هنا لا من أكاذيب مرتزقة البلاط والمتأخرين !
الدكتور والباحث في التاريخ : وليد الزهراني







إرسال تعليق