حرب المصطلحات.. حين تتحول الكلمات الى أدوات لإرهاب فكري

الكاتب: مركز الفكر الرابع للدراسات والبحوث العلميةتاريخ النشر: آخر تحديث: وقت القراءة:
للقراءة
عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق


 حرب المصطلحات.. حين تتحول الكلمات الى أدوات لإرهاب فكري


فخ اللغة الصامت

لطالما نُظر إلى اللغة بوصفها الجسر الأسمى للتواصل البشري، والأداة التي نعبر من خلالها نحو ضفاف التفاهم. لكن، حين نرفع الغطاء عن المسكوت عنه، نكتشف حقيقة صادمة؛ فاللغة ليست دوماً أداة بيان، بل قد تتحول إلى "قفل ذهني" يُحكم إغلاقه على العقول. إننا نعيش في زمن لم تعد فيه الحروب تُخاض بالبارود وحده، بل صرنا نشهد حرباً ضروساً تُدار رحاها بالمصطلحات التي تُصاغ بعناية فائقة، لا لتنوير الوعي، بل لمصادرته وتوجيهه نحو مسارات مرسومة سلفاً. إن الكلمة التي تبدو بريئة في ظاهرها، قد تكون في جوهرها أداة إقصاء بارعة تسجننا داخل أسوار من الأوهام دون أن نشعر بوخز القيود.


الحرب الصامتة: لماذا هي أخطر من الرصاص؟

تعد "حرب المصطلحات" حرباً غير مرئية، فهي لا تترك حطاماً مادياً يمكن رصده، لكنها تترك دماراً فكرياً يعيد تشكيل الحقائق من جذورها. خطورتها تكمن في قدرتها على ممارسة "هندسة لغوية" تمنح الشرعية لأفكار وتسحبها من أخرى، صانعةً بذلك خطوطاً وهمية تفصل بين ما يُسمح بالتفكير فيه وما يُحظر الاقتراب منه.

"إن أخطر ما في حرب المصطلحات أنها حرب صامتة، لا تُسمع فيها أصوات الرصاص، لكنها تخلف آثاراً أعمق من كثير من الحروب التقليدية. فهي تعيد تشكيل الحقائق، وتمنح الشرعية لأفكار، وتسحبها من أخرى، وتصنع خطوطاً وهمية بين ما يُسمح بالتفكير فيه وما يُحظر الاقتراب منه. ومع مرور الوقت، يتحول الخلاف الفكري الطبيعي إلى تهمة، ويتحول السؤال إلى شبهة، ويصبح مجرد البحث عن الحقيقة مغامرة محفوفة بالمخاطر الاجتماعية أو الفكرية."

إن هذه الحرب هي المرحلة التمهيدية التي تسبق الصدامات العسكرية؛ فهي تُهيئ الأرضية عبر تجريد "الآخر" من هويته التاريخية وقولبته في أطر مشوهة تسهل استهدافه، مما يؤسس لحالة من "التعويق الذهني" التي تفكك قدرة العقل على الإبداع والنقد.


وهم "الإجماع": السجن الذي بناه الفقهاء حول العقل

يبرز مصطلح الإجماع كواحد من أكبر الأقفال الذهنية في التراث الأصولي. فبينما يُفترض فيه أن يكون وسيلة تيسير، تحول إلى "وهم أصولي" يُستخدم لإغلاق أبواب النقاش وكسر عصا الاجتهاد. إن فكرة الإجماع المطلق تواجه "استحالة منطقية"؛ إذ من المتعذر الإحاطة بآراء جميع المجتهدين في كل الأمصار، خاصة مع غياب آليات التوثيق المركزية. ومع ذلك، يُوظف هذا المصطلح لتعطيل النصوص القرآنية الصريحة، بجعل فهم الفقهاء السابقين سلطة مطلقة فوق النص ذاته.

لقد تنبه كبار الأئمة لخطورة هذا الادعاء المائع، ومن أبرزهم الإمام أحمد بن حنبل الذي استخدم "المشرط المعرفي" لتفكيك هذا الوهم بقوله:

"من ادعى الإجماع فقد كذب، فما يدريك لعلهم اختلفوا."

إن هذا المصطلح تحول من وسيلة لتقريب المعرفة إلى أداة للهيمنة، حيث يُستخدم "سلاحاً في يد المناظر" لإسكات الخصم وتكريس سلطة بشرية ترفض الاعتراف بتغير الأحوال والزمان.


تجريم السؤال: حين تتحول الرغبة في الفهم إلى "شبهة"

في ظل هذه الحرب، يتم استخدام اللغة لإحاطة الأسئلة الجريئة بسياج من الترهيب النفسي. هنا، لا يُناقش السؤال ببرهان، بل يُوصم السائل بملصقات جاهزة مثل "الضلال" أو "الابتداع". هذا المنهج يهدف إلى "اغتيال المبادرة" الفكرية عبر التشكيك في مشروعية السؤال ذاته من خلال العبارة الشهيرة: "من سبقك بهذا القول؟".

إن هذا السؤال يمثل "اغتيالاً معنوياً" للمفكر، حيث يزرع فيه شعوراً بالدونية ويعطل قدرته على التدبر المستقل. والنتيجة الحتمية هي صناعة "طبقة صامتة" تخشى التعبير عن تساؤلاتها الفطرية خوفاً من الإقصاء الاجتماعي أو التصنيف الفكري، مما يحول العلم من رحابة البحث إلى ضيق التلقين والخضوع.


الهندسة اللغوية وتزييف الهوية: "آل البيت" نموذجاً

يكشف التحليل الدقيق للمصادر التاريخية عن عمليات إزاحة دلالية كبرى استهدفت ضرب "عالمية الرسالة" لصالح "الكهنوتية العائلية" خلال العصر العباسي. لقد تم استبدال المصطلح القرآني الأصيل بمصطلحات هجينة لتحقيق مكاسب سياسية وسلالية.

آل محمد: هو المصطلح الأصيل الذي يعني لغوياً وقرآنياً "الأتباع" والسائرين على النهج، وهو مفهوم عالمي يتسع لكل مؤمن بالرسالة.

آل البيت: مصطلح عباسي هجين تمت "أقلمته" بتأثير من المؤسسة "الشعوبية" الفارسية، لمحاكاة الأنساق الكهنوتية الساسانية القديمة مثل "عبدة بيت النار".

لقد كان الهدف من هذا التحول اللغوي هو تحويل الإسلام من رسالة عالمية لكل البشر إلى "دين عائلي" يقوم على تقديس السلالة والقرابة الجينية، مما شرعن وصول العباسيين للسلطة تحت شعار "الرضا من آل محمد"، محولين الشرعية من "الكفاءة والمنهج" إلى "الحق الإلهي المحصور“.


"الناصبي" و"القرآني": صناعة العدو عبر الملصقات الجاهزة

تُستخدم بعض المصطلحات كأدوات "ابتزاز فكري" لتشويه الخصوم ومنع البحث العلمي. مصطلح "الناصبي" استُورد من الفكر الشيعي ليُستخدم داخل الدوائر السنية كأداة إرهاب معرفي؛ حيث يُوصم به كل من يحاول نقد الروايات المنحازة في أحداث "الفتنة الكبرى". والأخطر من ذلك، أن هذا المصطلح تجاوز المجال الفكري ليُستخدم في تبرير التغيير الديموغرافي والتصفية الجسدية والتهجير القسري، كما حدث في الحالة العراقية المعاصرة بعد عام 2005 أيام الإحتلال الأمريكي وسيطرة المليشيات الشيعية على العراق.

وفي المقابل، يُستخدم مصطلح "القرآني" (أو النكراني) كإرهاب فكري ضد الباحثين الذين يسعون لتنقية التراث من الأحاديث الشاذة التي تطعن في الذات النبوية أو تخالف منطق القرآن الصريح. الهدف النهائي لهذه "الملصقات الجاهزة" هو تحصين الموروث البشري ضد أي محاولة للإصلاح أو المراجعة النقدية.


أسطورة "تلقته الأمة بالقبول": البديل السهل عن الدليل

يعتبر مصطلح "تلقته الأمة بالقبول" نموذجاً للمصطلحات المائعة التي تفتقر لتعريف منضبط، وتُستخدم كـ "سلطة معرفية" تُغني عن فحص السند والمتن. يُوظف هذا المصطلح لتحصين كتب بشرية وجعلها في مرتبة تضاهي قداسة القرآن.

والمفارقة التاريخية الكبرى هي أن هذا "القبول المزعوم" يُصادم حقيقة أن كبار الأئمة الأوائل كانوا يفضلون كتباً أخرى؛ فالعالم الفقيه الشافعي وابن عبد البر صرحوا بأن "موطأ مالك" هو أصصح الكتب بعد كتاب الله، بل إن البخاري نفسه انتقد أحاديث في صحيح مسلم. إن تحويل "الشهرة التاريخية" إلى "عصمة علمية" هو وهم يُستخدم لتقديس الجهد البشري ومنع العقل من ممارسة دوره في التمييز بين الحق والباطل.


الخاتمة: ثورة تحرير المصطلحات

إن تحرير العقول يبدأ من استعادة "الأمن الثقافي" عبر تحرير اللغة وتفكيك الأنساق الكهنوتية التي دُست في الموروث. نحن بحاجة ماسة إلى بروز "العالم الفقيه"؛ ذلك الطراز من العلماء الذي لا يكتفي بالترديد والحفظ، بل يمتلك أدوات التفكيك والتحليل، ويقدم "المشرط المعرفي" لنقد الموروث الحديثي والتاريخي في ضوء القرآن والعقل.

إن استعادة المبادرة الحضارية تقتضي اليقظة تجاه "السموم الفكرية" الكامنة في الكلمات، وإدراك أن الهوية هي قضية وجودية لا تنفك عن حرية التفكير. فالكلمات إما أن تكون جسوراً نحو الضياء، أو قضباناً لزنزانة معتمة.


هل الكلمات التي تستخدمها اليوم هي جسورك نحو الحقيقة، أم أنها القضبان التي تُشكل سجنك الفكري؟


الأستاذ: بشار محمد الدليمي

المقال مقتبس من كتاب: حرب المصطلحات. رابط الكتاب

https://payhip.com/b/wDjmq


شارك المقال لتنفع به غيرك

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

ليست هناك تعليقات

5530503018128628799

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث