الحياد وهمٌ أخلاقي: حين يصبح الصمت شراكةً في ظلم سُنّة العراق وسوريا

الكاتب: مركز الفكر الرابع للدراسات والبحوث العلميةتاريخ النشر: آخر تحديث: وقت القراءة:
للقراءة
عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق


 الحياد وهمٌ أخلاقي: حين يصبح الصمت شراكةً في ظلم سُنّة العراق وسوريا


يميل البشر بالفطرة إلى البحث عن «منطقة وسطى» آمنة، يظنون أن الوقوف فيها يحميهم من تبعات الصراع ويمنحهم صفة الحكمة والاتزان. وفي واقعنا المعاصر، يُسوَّق الحياد بوصفه فضيلة فكرية، بينما هو في جوهره قناعٌ للهروب من استحقاقات الحق والعدل. والحقيقة المرّة أن هذه المنطقة الرمادية لا مكان لها في الميزان الأخلاقي؛ فهي مجرد محطة انتظار قصيرة تسبق السقوط الكامل.

لقد كان ثمن هذا الوهم فادحاً، خصوصاً حين تعرّض «سُنّة العراق وسوريا» لسنوات من القتل والتهجير والاعتقال والإقصاء الممنهج، فيما آثر كثيرون الصمت بدعوى «الحياد» أو «المهنية».


أولاً: حتمية الانحيازالصمت موقفٌ مع الباطل

في الصراع بين الحق والباطل لا توجد مساحة للتفرّج. فالحياد هنا ليس غياباً للفعل، بل هو اختيارٌ صريح لدعم الطرف الأقوى أو المعتدي عبر حجب النصرة عن المظلوم.

«لا يمكن أن تقف بين الحق والباطل؛ لا توجد منطقة وسطى. إن لم تقف مع الحق فأنت مع الباطل، وإن لم تقف مع العدل فأنت مع الظلم».

لماذا لا يوجد حياد حقيقي؟

  • الوظيفة الأخلاقية: الحق يحتاج دائماً إلى من يسانده، والامتناع عن النصرة إضعافٌ له وتدعيمٌ ضمني للباطل.
  • الهروب من المسؤولية: المحايد يحافظ على مكاسبه الشخصية بينما يدفع الآخرون الثمن، وهو انحيازٌ للأنانية على حساب العدالة.
  • المشاركة بالصمت: الصمت في وجه الظلم ليس سلاماً؛ بل وقودٌ يمنح الظالم شرعية الاستمرار.


ثانياً: «القِسط» مشروعك الوجوديوالوظائف لا تُعفي الضمير

إقامة العدلأو «القِسط»—ليست مهمةً حِرفية تخصّ القضاة أو النُخب وحدهم، بل هي واجبٌ إنساني شامل. فالمسميات الوظيفية والألقاب الأكاديمية لا تُسقط المسؤولية الأخلاقية، وقد تتحول أحياناً إلى ستارٍ يختبئ خلفه الجبن.

يؤكد القرآن الكريم أن الغاية الكبرى هي أن يقوم الناس بالعدل:

{ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ } (25) سورة الحديد

رسائل صريحة لكل «محايد مهني»:

  • وهم التخصص: لا تُبرِّر صمتك عمّا جرى لسُنّة العراق وسوريامن جرائم حرب وإبادة وتهجيربكونك «أكاديمياً» أو «متخصصاً». إن كان لقبك يمنعك من قول الحق، فالمشكلة في اللقب لا في الحق.
  • الأولوية الوجودية: أنت إنسان قبل أن تكون موظفاً؛ وغايتك الأولى إقامة القسط، لا حماية مسمّى وظيفي يُكبِّل ضميرك.
  • قيمة الموقف: قيمة المرء لا تُقاس بشهاداته، بل بشجاعته حين تُختبر المواقف.


ثالثاً: فخ الحيادمن الصمت إلى التطبيع مع الرذيلة

الخطر الأكبر للحياد أنه مؤقت بطبيعته. وقد لخصت الفيلسوفة آين راند هذا المسار بوضوح حين رأت أن الحياد ليس مقاماً دائماً، بل مرحلة انتقالية نحو الانحدار الأخلاقي:

«الحياد مرحلة مؤقتة، ثم يبدأ الإنسان بالتطبيع التدريجي مع الرذيلة».

كيف يعمل هذا الفخ نفسياً؟

  1. مرحلة الصمت: ادّعاء «اللا علاقة» طلباً لراحة البال.
  2. تأنيب الضمير: صراع داخلي لأن الفطرة ترفض الظلم.
  3. التبرير والاعتياد: البحث عن أعذار للظالم لتخفيف الذنب.
  4. التطبيع الكامل: تصبح الرذيلة مألوفة، ويتحوّل «المحايد» إلى جزءٍ من منظومة الخطأ دون أن يرفّ له جفن.


ان الانحياز للحق ليس ترفاً أخلاقياً، بل ضرورة وجودية تسبق كل الانتماءات. والحياد أمام الظلمخصوصاً ما وقع على سُنّة العراق وسورياليس موقفاً آمناً، بل مسار انحدار يبدأ بالصمت وينتهي بالشراكة عبر القبول والتطبيع.

إذا كان الحياد محطة انتظار قصيرة قبل السقوط في الاعتياد على الرذيلة، فمتى نغادر هذه المحطة ونقف حيث تمليه إنسانيتنا وضمائرنا؟


الأستاذ: بشار محمد الدليمي

شارك المقال لتنفع به غيرك

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

ليست هناك تعليقات

5530503018128628799

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث