ذكرى وفاة الحجاج بن يوسف الثقفي رضي الله عنه أمير العراقين ليلة 27 رمضان "ليلة القدر" من سنة 95 هـ
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وزوجاته امهات المؤمنين وعلى الصحابة المخلصين وكل من تبعهم بإحسان ٍ إلى يوم الدين ..
أما بعد :
في هذه الكلمة الموجزة سأستعرض معكم صورة مصغرة لسيرة رجل عظيم قل الزمان أن يجود بمثله ، وفي ذكرى وفاته
مبطوناً" رحمه الله في ليلة 27 من شهر رمضان المبارك "ليلة القدر" من سنة 95 هـ وعمره آنذاك لم يتجاوز 54 عاماً فقط !"
إنّه الحجاج بن يوسف الثقفي رحمه الله ورضي عنه وأرضاه ..
فخامة الاسم تكفي !
"الذهبي" ) تـ 748هـ ( "حسناته مغمورة في بحر سيئاته" وأنا لا أجد ابلغ من هذا
يقول المتشيِّع الشعوبي ابن قايماز المسمى بـ
الرد "بل سيئاته )إن وُجِدَت( مغمورة في محيطات حسناته"
بعض ألقابه ومآثره وأعماله :
أمير العراقين - فتى ثقيف - مبير النفاق - مُذل الفرس - غازي الترك - لسن العرب - فاتح آسيا من خراسان إلى غرب الصين
وحدود القوقاز - فاتح السند والهند - ادخل الاسلام الى ما يزيد عن 10 دول الآن يدينون به - حافظ القرآن والذي اختاره الله
تعالى لحفظ كتابه الكريم بتدريسه أو لاً ثمَّ تنقيطه وتشكيله بعد ذلك و كان يعطي العطاء العظيم لحفظته - من أشار على أمير
المؤمنين عبدالملك بن مروان تعريب الدواوين وسك العملة العربية - باني مدينة واسط - أول من وضع نقاط التفتيش الأمنية بين
المدن - استصلح أراضي واسعة من سواد العراق للزراعة - ازدهرت في عهد ولايته الميمونة الحركة العلمية والنهضة الزراعية
والصناعية - ازداد الخراج زيادة مهولة وقضى على مشاكل اقتصادية وأمنية كادت أن تعصف بالدولة - قام بالقضاء على
مؤسسة حمراء الكوفة وتفكيكها من الداخل في عهده المبارك لذلك تمت شيطنته بعد ذلك وإلصاق الأكاذيب الكثيرة عليه
والدعايات الشعوبية التي لا تعد ولا تحصى !
اسمه ونسبه :
هو أبو محمد الحجاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل بن مسعود بن عامر بن معتّب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن
عوف بن قسي )ثقيف( وإليه تنسب قبيلته ثقيف الكريمة العريقة العربية الهوازنية القيسية المضرية العدنانية ، ووالده يوسف بن
الحكم بن أبي عقيل من سادات ثقيف والطائف وأشراف العرب كان عظيماً في قومه محبوباً محترماً حافظاً لكتاب الله معلِّماً له
ومن الحدِّثين أيضاً ، ووالدته حفيدة أحد عظيم القريتين الذي ذكرهما الله في القرآن الكريم } وَقَالُوا لَوْلا َ نُزِّل َ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ
رَجلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَين ْ ِ عَظِيمٍ { ] الزخرف : 31 [ ، فالقريتين مكة والطائف ، والرجلين هما الوليد بن المغيرة المخزومي والصحابي
الجليل عروة بن مسعود الثقفي رضي الله عنه وأرضاه جدّ أم الحجاج وهي الفارعة بنت همام بن عروة بن مسعود الثقفي
تزوجت في البداية من الصحابي الجليل المغيرة بن شعبة رضي الله عنه وأرضاه وطلّقها فندم على ذلك ، ثمَّ تزوجها يوسف بن
الحكم وانجبت له الحجاج ، كانت الفارعة سيدة جليلة فاضلة ذات دين وفقه وعبادة عُدَّت أكثر نساء ثقيف حليًّا ، و كانت من
عظيمات نساء العرب في زمانها رضي الله عنها ..
نشأ الحجاج في الطائف وتربّى في بيئة ثقافية علمية ودينية ، فحفظ القرآن في طفولته ثمَّ درس علوم الدين من عقيدة وفقه
وحديث وتتلمذ على أيدي عدد من علماء الصحابة و كبار التابعين كعبدالله بن عمر وأنس بن مالك وسعيد بن المسيّب وغيرهم
حيث كان بعضهم يقطن في الطائف والآخرين في باقي مدن الحجاز مثل مكة والمدينة عموماً ، فقد عُرِف َ الحجاج بكثرة حجه
وذهابه لبيت الله الحرام في مكة حاجاً أو معتمراً أو طالباً للعلم ، وما إن بلغ سن الفتوة حتى أصبح من كبار معلِّمي القرآن
في الطائف كيف لا ووالده يوسف كان كذلك قبله واشتهر بشدِّة حبِّه للعلم وتعليم القرآن "دون أجر" وعلى هذه المبادئ الكريمة
..
ربَّى يوسف ابنه الحجاج مما انعكس على شخصيته العظيمة بعد ذلك ، فـ"الولدُ سرُّ أبيه"أشتهرت قبيلة ثقيف الماجدة عموماً بأن أبناءها أهل سيادة وفصاحة وتميزت عائلة الحجاج وأقاربه خصوصاً بذلك لذلك أُطلق
عليه "لسن العرب" فلم يُرى في زمانه أفصح من لسانه وأبلغ من بيانه عجز حتى أشدّ كارهيه عن نفي هذه الميزة فيه ولم
يسجلوا قط "بالرغم من كثرة أكاذيب وافتراءات أهل الأخبار عليه" أنه قد لحن !
ولكون الحجاج من قبيلة عريقة وبيت ٍ عريق أصيل له مكانته الكبرى عند ولاة الأمر من الخلفاء والأمراء والولاة فكان من المتوقّع
أن يتسنّم هذا الفتى الثقفي العربي النجيب منصباً رفيعاً في الدولة العربية الأموية الراشدة ، حيث كان والده يوسف بن
الحكم صديقاً مقرَّباً لعبد العزيز بن مروان بن الحكم والي مصر في عهد والده مروان بن الحكم وشطراً من عهد أخيه عبدالملك
وقد وفدَ عليه يوسف بن الحكم بن أبي عقيل بمصر ومعه ابنه الحجاج بن يوسف حتى قيل أنه شارك أمير المؤمنين مروان بن
الحكم رضي الله عنهما عام 65 هـ باستعادة مصر إلى الأمويين وانتزاعها من والي عبدالله بن الزبير عليها !
عندما قدم الحجاج بن يوسف الثقفي إلى دمشق في بداية عهد أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان رضي الله عنهما اتصل بروح
وأسند إليه عبد الملك قيادة شرطته و كان أيضاً من كبار مستشاري
بن زنباع الجذامي أحد ابرز القيادات في "أجناد الشام"
الخليفة لا يكاد يفارقه إذ يقوم مقام الوزير الأول عنده ، وهو من كان له الفضل بعد الله في تقديم الحجاج لأمير المؤمنين وما
أن رآه الخليفة حتى أنبهر بشدّة ذكائه وفطنته ، فكان أول من أشار على عبد الملك بن مروان بسك العملة العربية وتعريب
الدواوين ..
بعد ذلك قام الحجاج ببث روح الحماسة والقوة التي اكتسبها في صباه في الجيش الأموي "جيش الخلافة" فقام بضبطه
بشدّة وحزم وعاقب المتراخين والمتهاونين عقاباً شديداً بعد ما أخذ الضوء الأخضر من الخليفة ان يفعل بهم ما يشاء في سبيل
إعادة روح البطولة والانضباط وإلهاب الحماسة في أجناد الشام ونجح في هذه المهمة نجاحاً مبهراً ..
بعد ذلك أخذ يترقّى في المناصب حتى نجح أمير المؤمنين عبدالملك بن مروان رضي الله عنهما في استرداد العراق للحكم
الأموي والقضاء على مصعب بن الزبير ، ثمَّ بعد ذلك سرعان ما كلّف الحجاج بمهمة عظيمة وخطيرة إذ كان يُعد في ذلك
، وهذه المهمة
الوقت الرجل الأقوى من رجال الدولة دون منازع حتى قال عنه أمير المؤمنين عبدالملك "هو جلدة ما بين عيني"
هي إرساله فوراً بعد استرداد العراق للقضاء على فتنة ابن الزبير في مكة واسترداد كامل أراضي الحجاز للحكم الأموي ،
"فتنة عبدالله بن الزبير" حتى
فنجح الحجاج وأبدى كفاءة عالية قل َّ نظيرها في التاريخ باتباع النفس الطويل للقضاء على
كسب تأييد ما بقي من الصحابة كابن عمر رضي الله عنهما ، واستمال قبائل الحجاز عموماً ومكة بالأخص ، بل وصل إلى
ولم يبقى معه إلا ّ ثلّة قليلة هُزمت بسهولة "إذاً فكل الأكاذيب
أنه جرّد عبدالله بن الزبير من أكثر أهل بيته "اخوته وبعض ابنائه"
حول رمي الكعبة بالمنجنيق هي من وضع رواة الشيعة الإخباريين وتكريس مؤرخي البلاط العباسي"
ثمَّ بعد ذلك اختاره أمير المؤمنين عبدالملك بن مروان رضي الله عنهما ليكون والي العراقين وقائد الفتوح الأعلى في الجبهة
الشرقية ، وولاية العراقين حينها تشمل العراق العربي الحالي "البصرة والكوفة" والعراق الأعجمي من هضبة فارس وخراسان
و سجستان وبلاد الترك في أواسط آسيا حتى الصين الغربية وجنوبها من هضبة التيبت ومرتفعات جبال الهيمالايا وصولاً الى
كامل بلاد السند والهند ، فكان بمثابة امبراطور عظيم يحكم ثلاثة أرباع آسيا تحت حكم امبراطور أعظم في الشام يحكم
ودولته تمتد من الصين والهند شرقاً إلى الأندلس وفرنسا غرباً مروراً بأراضي كبرى وواسعة
القارات الثلاث "العالم القديم"
تشق القارة الافريقية من شرقها حتى اقصى غربها !
فلا أعلم في التاريخ الانساني رجل أعز قومه ونصر ملّته وأقام دينه ونشره كأبي محمد الحجاج بن يوسف الثقفي ، أعز الله به
الاسلام واذل به الكفر والنفاق واهل الشقاق ، وبنى للعرب صرحٌ مجيد وفخرٌ تليد ولدولة العرب الأموية قوة وتجديد ، فرحم الله
الحجاج بن يوسف الثقفي رحمة واسعة ورضي عنه وارضاه رضاءً تامّاً وسلّم الله عليه سلاماً مبار كاً ..كان آخر ما قاله الحجاج بن يوسف الثقفي رضي الله عنه وأرضاه في وصيته قبل وفاته » بِسمِ اللهِ الرَّحمن ِ الرَّحيمِ ، هٰذا ما أَوْصى بِهِ الحجاجُ بْنُ يُوسف : أَوْصى بِأَنَّهُ يَشهَدُ أَنَّ لا إلـٰهَ إلا َّ اللهُ وَحدَهُ لا شرِيك َ لَهُ ، وَأَنَّ مُحمداً عَبْدُهُ وَرَسولُهُ ، وَأَنَّهُ لا يَعْرِف ُ
إلا َّ طاعَةَ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ الوَلِيدِ بْن ِ عَبْدِ المَلِك ِ ، عَلَيْها يَحيَا وَعَلَيْها يَموت ُ وَعَلَيْها يُبْعَثُ «
ومن أصدقِ ما تفجرَ به لسانُ الفرزدقِ وأبلغه ما سكبه في رثاءِ الحجاجِ بن ِيوسف َ الثقفي ، فقد خرجت كلماته يومئذٍ من قلب ٍ يَعرِف ُ قدرَ الرجال ، فقال :
عَلى الدين ِ أَو شارٍ عَلى الثَغرِ واقِف ِ لِيَبك ِ عَلى الحجاجِ مَن كانَ باكِياً
لَها الدَهرُ مالاً بِالسنينَ الجوالِف ِ وَأَيتامُ سوداءِ الذِراعَينِ لَم يَدَع
عَلى مِثلِهِ إِلا ّ نُفوس َ الخَلائِف ِ وَما ذَرَفَت عَينان ِ بَعدَ مُحمدٍ
وَلا خُطَّ يُنعى في بُطون ِ الصحائِف ِ وَما ضمنَت أَرض ٌ فَتَحمل َ مِثلَهُ
إِذا اِكتَحلَت أَنياب ُ جرباءَ شارِف ِ لِحزمٍ وَلا تَنكيت ِ عِفريت ِ فِتنَةٍ
وَأَكثَرَ لَطّاً لِلعُيون ِ الذَوارِف ِ فَلَم أَرَ يَوماً كانَ أَنكى رَزِيَّةً
وَقَد كانَ يَحمي مُضلِعات ِ المَكالِف ِ مِنَ اليَومِ لِلحجاجِ لم َّ اغَدَوا بِهِ
أَراحت عَلَيها مُهمِلات ِ التَنايِف ِ وَمُهمِلَةٍ لما أَتاها نَعيُّهُ
فَقَد مات َ راعي ذَودِنا بِالطَرايِف ِ فَقالَت لِعَبدَيها أَريحا فَعَقِّلا
وَيَضرِب ُ بِالهِندِي َّ رَأس َ المُخالِف ِ وَمات َ الَّذي يَرعى عَلى الناس ِ دينَهُم
تَقَطَّعنَ إِذ يَحثينَ فَوق َ السقايِف ِ فَلَيت َ الأَ كُف َّ الدافِنات ِ اِبنَ يوس ُ ف ٍ
بِهِ بَينَ ج َ ولَي هُوَّةٍ في اللَفايِف ِ وَكَيف َ وَأَنتُم تَنظُرونَ رَمَيتُمُ بِهِ كانَ يُرعى قاص ِ يات ُ الزَعانِف ِ أَلَم تَعلَموا أَنَّ الَّذي تَدفِنونَهُ
بِها الدينَ وَالأَضغانَ ذات ِ الخَوالِف ِ وَكانَت ظُباةُ المَشرِفِيَّةِ قَد ش َ فى
رحمك الله يا أبا محمد ورضيَ عنك وأرضاك وغفر لك وجزاك عن الإسلام وعن العرب ِ خيرَ الجزاء بقدْرِ ما أنصفك المنصفون ، و
بقدْرِ ما افترى عليك المفترون الكاذبون الآثمون !
كتبه الباحث والمتخصص في التاريخ : د/ وليد بن أحمد بن جارالله الزهراني







إرسال تعليق