التوحيد مصدر الشجاعة، والشرك سبب الذل والخوف
إنَّ التوحيد من أعظم القيم التي يغرسها الإسلام في قلب الإنسان؛ فهو يحرّر القلب من الخوف إلا من الله، ويمنح صاحبه قوةً وثباتًا وشجاعةً في مواجهة الشدائد. وعلى العكس من ذلك، فإن الشرك بالله يورث في النفس الضعف والذل والخوف؛ لأن القلب يتعلّق بغير الله، فيفقد الطمأنينة والثبات.
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة في آية عظيمة تبين أثر الشرك في نفوس أصحابه، إذ يقول الله تعالى:
﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: 151).
فالباء في قوله ﴿بِمَا أَشْرَكُوا﴾ تفيد السببية؛ أي أن سبب إلقاء الرعب في قلوبهم هو شركهم بالله. وكأن الشرك يهيّئ النفس للخوف والاضطراب، فيجعل صاحبه فاقدًا للأمن الداخلي، مهما امتلك من قوةٍ أو عتاد.
وفي المقابل، فإن التوحيد يمنح صاحبه الأمن والطمأنينة، كما قال الله تعالى:
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (الأنعام: 82).
والمقصود بالظلم هنا الشرك، كما بيّن النبي ﷺ. فالتوحيد الخالص يورث الأمن في القلب، ومن الأمن تنبع الشجاعة والثبات.
كما يعلّم التوحيد المؤمن أن كل ما يحدث في الكون إنما هو بقضاء الله وقدره، ولذلك لا يخاف إلا الله، ولا يهاب المخلوقين. وقد عبّر القرآن عن هذا المعنى بقوله:
﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا﴾ (التوبة: 51).
فالمؤمن يدرك أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، ولذلك يثبت قلبه ولا يضطرب أمام المخاطر.
ولهذا كان الأنبياء وأتباعهم أشجع الناس؛ لأن قلوبهم معلقة بالله وحده. قال تعالى:
﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (آل عمران: 173).
وهكذا يتضح أن التوحيد ليس مجرد عقيدةٍ نظرية، بل هو قوة روحية عظيمة تصنع الإنسان الشجاع الواثق بربه، بينما يظل المشرك أسير الخوف والقلق؛ لأن قلبه لم يتوكل على الله وحده. فكلما ازداد الإنسان توحيدًا وإيمانًا، ازداد طمأنينةً وثباتًا وشجاعةً في مواجهة الحياة.
الأستاذ: بشار محمد الدليمي







إرسال تعليق