تقسيم العرب إلى عاربة ومستعربة
كذبة شعوبية فارسية
يُعدّ تقسيم العرب إلى "عرب عاربة" و"عرب مستعربة" من أكثر القضايا إثارةً للجدل في تاريخ الأنساب العربية. ويرى عدد من الباحثين أن هذا التقسيم لا أصل له في المصادر الإسلامية الأولى، بل هو طرحٌ متأخر ارتبط بظروف سياسية وفكرية ظهرت في عصور لاحقة، وتحديدًا في العصر العباسي.
عند الرجوع إلى القرآن الكريم، لا نجد أي إشارة إلى تقسيم العرب على هذا النحو، بل جاء الخطاب القرآني عامًا موجّهًا إلى الناس كافة، دون تفريق عرقي بين العرب أنفسهم. وكذلك في السنة النبوية، لا يظهر ما يدعم هذا التصنيف، بل إن الأحاديث تدل على وحدة العرب في أصولهم وهويتهم. كما أن الشعر الجاهلي، وهو من أهم مصادر دراسة العرب قبل الإسلام، يخلو من هذا التقسيم، مما يعزز الشك في كونه تقسيمًا طارئًا لا يمتد بجذوره إلى البيئة العربية الأصيلة.
ويُستدل كذلك بأقوال كبار الصحابة المعروفين بعلم الأنساب، مثل أبي بكر الصديق رضي الله عنه، الذي عُرف بسعة معرفته بأنساب العرب، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي كان شديد العناية بهذا العلم؛ إذ لم يُنقل عنهما أي ذكر لهذا التقسيم، وهو ما يُضعف من مصداقيته لو كان معروفًا في زمنهما.
وتشير بعض الروايات إلى أن أول من اشتهر بنقل هذا التقسيم هو هشام بن السائب الكلبي "كوفي شيعي"، وهو من رواة الأنساب في العصر العباسي. وقد طعن فيه عدد من النقاد والمحققين من أهل الحديث، وعدّوه ضعيفًا في الرواية، مما جعل كثيرًا من الباحثين يتوقفون في قبول ما ينفرد به من أخبار، خاصة إذا لم تجد ما يؤيدها من مصادر أخرى.
ويرى أنصار هذا الرأي أن ظهور هذا التقسيم ارتبط بالسياق السياسي والفكري للعصر العباسي، حيث نشطت التيارات الشعوبية التي سعت إلى التقليل من شأن العرب عمومًا، أو إعادة تشكيل هويتهم التاريخية. وضمن هذا السياق، طُرح تقسيم العرب إلى “عاربة” (قحطان) و“مستعربة” (عدنان)، في محاولة – كما يُقال – للفصل بين مكونات العرب، وإضعاف وحدة نسبهم.
ومن أبرز ما يُستدل به في رفض هذا التقسيم ما ورد في صحيح البخاري من الإشارة إلى انتساب عدد من قبائل العرب، كالأوس والخزرج، إلى إسماعيل عليه السلام، دون تفريق بين “عاربة” و“مستعربة”. ويُفهم من ذلك – عند أصحاب هذا الاتجاه – أن العرب يُنظر إليهم كوحدة نسبية متصلة، لا كما يصوّرهم هذا التقسيم الثنائي.
كما يُطرح أن هذا التصنيف استُخدم لأغراض سياسية، من بينها محاولة النيل من مكانة بعض القبائل، أو التقليل من شأن بني أمية، الذين ينتسبون إلى عدنان، وذلك من خلال وصفهم بـ"المستعربة"، وكأنهم ليسوا عربًا أصلاء. وفي المقابل، نُسبت أمجاد تاريخية معينة إلى قحطان وحدها، مثل إرث الغساسنة والمناذرة، في صورة توحي بحصر المجد العربي في جهة دون أخرى.
ويربط هذا الطرح بين انتشار هذا التقسيم وبين الصراع السياسي بين الأمويين والعباسيين، حيث سعى بعض الكُتّاب والمؤرخين – بدعم أو بتأثير من السلطة العباسية – إلى تشويه صورة الأمويين والطعن في نسبهم ومكانتهم، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. كما استغل بعض غير العرب هذه الأجواء لطرح رؤى تقلل من شأن العرب عمومًا، كرد فعل على سياسات اجتماعية وسياسية في ذلك العصر.
وفي ضوء ذلك، يرفض أصحاب هذا الرأي الروايات المتضاربة حول أنساب قحطان وعدنان، ويرون أن العرب أمة واحدة في جذورها، تمتد جغرافيًا من الحجاز ونجد إلى الشام والعراق، مرورًا بالجزيرة الفراتية وصولًا إلى مناطق ديار بكر في تركيا حاليًا، دون هذا الفصل الحاد الذي لا تسنده – في نظرهم – نصوص قطعية أو مصادر موثوقة من العصور الأولى.
وخلاصة القول، إن مسألة تقسيم العرب إلى "عاربة" و"مستعربة" تبقى موضع نقاش علمي وتاريخي، لكن من المهم التعامل معها بمنهج نقدي متوازن، يفرّق بين ما ثبت بدليل قوي، وما قد يكون نتاجًا لظروف سياسية أو فكرية أثّرت في تدوين التاريخ والأنساب.
الأستاذ : بشار محمد الدليمي







إرسال تعليق