مضيق هرمز أم مضيق خالد بن الوليد؟
حين تُنتزع الجغرافيا من أيدي المزوِّرين وتعود لأهلها !
ليست الأسماء بريئة ولا الجغرافيا صامتة ، فكل اسمٍ يُطلق على موضعٍ من الأرض هو إعلان ملكيةٍ رمزية ، وتثبيتٌ لذاكرةٍ سياسية ، وتكريسٌ لروايةٍ تاريخية ، ومن هنا فإن ما يُعرف اليوم بـ"مضيق هرمز" ليس سوى شاهدٍ حيّ على اختلال الرواية ، وانقلاب الذاكرة ، وتغليب اسم مهزومٍ على حساب فاتحٍ غيَّر وجه التاريخ ..
إنَّ الأسماء في الجغرافيا ليست حيادية ، وهي في حقيقتها بمثابة رايات دول ، فكل اسم يُفرض على موضع استراتيجي هو إعلان سيادة ، وتثبيت رواية ، وطمس لرواية أخرى !
من هو هرمز ؟ ومن هو خالد ؟
"هرمز" الذي يُنسب إليه المضيق ليس إلا قائداً فارسياً مهزوماً سقط صريعاً تحت سيف القائد العربي الفذ خالد بن الوليد في معركة كاظمة "ذات السلاسل" حين تقدَّم العرب ليقوموا بكسر أولى حلقات المشروع الساساني الفارسي المتضخِّم ، فما يُعرف اليوم بـ"مضيق هرمز" مثال فجّ على ذاكرة مقلوبة كرَّست اسم قائدٍ سقط في أول مواجهة يتصدَّر موقعاً صنع مجده من أسقطه !
في معركة كاظمة ذات السلاسل التقى السيف العربي مع رأس القيادة الفارسية ، وهناك تقدَّم القائد العظيم خالد بن الوليد فأسقط هرمز قتيلاً تحت قدمه ، ومعه سقطت هيبة الدولة الساسانية الفارسية في أول اختبار حقيقي ، فالواقعة هي بمثابة الضربة الافتتاحية لمسار انتهى بإزالة واحدة من أعظم إمبراطوريات الشرق ، والمنطق البسيط هنا يقول : الاسم يذهب لمن غيَّر مسار المكان ، لا لمن انتهى فيه !
الخليج عربي قبل خالد وبعده ، والمضيق مضيق للعرب ليس للفرس ، فقبل أن يُولد خالد بن الوليد ، وقبل أن يسمع الفرس أصلاً بصهيل خيل الفتح العربية القادمة من الجزيرة كانت هذه المنطقة عُمان وسواحل الخليج أرضاً عربية خالصة يحكمها رجالٌ من صميم القبائل الأزدية القحطانية !
الحديث هنا عن دولة ، وعن حكم ، وعن امتداد سياسي واضح راسخ ، ويتصدَّر المشهد الملك مالك بن فهم الدوسي الزهراني الأزدي الذي قدم من جبال دوس ببلاد قومه زهران في أرض السراة إلى أرض "مزون" عمان حالياً وقام بطرد الفرس من عُمان بعد ما قضى على نفوذهم وهزمهم هزيمة ساحقة في معركة سلوت ، وأقام كياناً عربياً لم يكتفِ بتحرير عُمان وحدها من النفوذ الفارسي في معركة سلوت عام 180 م تقريباً ، إنَّما أسّس كياناً عربياً سياسياً ممتداً عُرف لاحقاً بـ"مملكة تنوخ" التي تأسست حوالي عام 200 م ، وامتدَّت من عُمان والبحرين ، ومن أطراف نجد حتَّى تخوم العراق والشام ..
ثمَّ جاء من بعد مالك ابنه الملك سُليمة بن مالك بن فهم الدوسي الزهراني الأزدي في بداية القرن الثالث الميلادي واستمر النفوذ العربي حتى لامس أراضي داخل المجال الفارسي نفسه ، وأصبحت مناطق مشرفة على المضيق ضمن دائرة المُلك والتأثير العربي ، فالصورة واضحة إذاً العرب هم أصحاب الأرض ، وأصحاب الساحل ، وأصحاب القرار قبل الإسلام ، واستمر ذلك بعده وتوسَّع ..
الاسم الذي يعكس الحقيقة ، فالمضيق هو عبارة عن شريان عالمي ، ومن الطبيعي أن يحمل اسماً يعبِّر عن القوة التي أعادت تشكيل المنطقة ، واسم خالد بن الوليد هو رمز لحظة تحوُّل كبرى ، ولحظة انتقال مركز الثقل من الإمبراطورية الفارسية البائدة إلى الإمبراطورية العربية الصاعدة ، فإطلاق اسمه على المضيق يُعيد التوازن للرواية التاريخية ، ويضع الاسم في موضعه الصحيح مع الحدث ، ومع الأثر ، ومع من صنع التحوُّل ، فحين وصل خالد إلى تخوم فارس لم يكن غازياً مغامراً عابراً ، إنَّما كان قائد مشروع حضاري عسكري يهدف إلى إنهاء السيطرة الساسانية الفارسية وإعادة تشكيل المنطقة تحت قيادة عربية ، وكانت كاظمة "الكويت حالياً" أول الضربات القاصمة ، فقتل هرمز على يد خالد كانت لحظة رمزية كبرى ، إذ يمثِّل سقوط أول رأس فارسي أمام السيف العربي ، ومن هنا فإن تسمية المضيق بـ"هرمز" انقلاب في المعنى وانعكاس في المفاهيم !
استعادة الاسم يعني استعادة السيادة ، فإن إعادة تسمية "مضيق هرمز" إلى "مضيق خالد بن الوليد" ليست من الدعايات القومية العاطفية ، بل تصحيح تاريخي واستعادة للذاكرة العربية المخترقة ، وإعادة الاعتبار لسلسلة من الوقائع تؤكِّد على أن العرب هم من حكموا السواحل قبل الفرس وبعدهم ، والعرب هم من كسروا الدولة الساسانية الفارسية بدءًا من معركة كاظمة ، والعرب هم من صنعوا التحوُّل الجيوسياسي في المنطقة ، فكيف يُختزل كل ذلك في اسم قائد فارسي قُتل في أول مواجهة ؟!
إنَّ المعركة اليوم على الذاكرة ، فالقضية أعمق من اسم جغرافي عابر ، إنَّما هي صراع على من يكتب التاريخ فوق الخرائط ، فإذا كُذب بلسان التاريخ الجغرافيا اليوم لا يُكذب بلسانها ، وحين يُفرض اسم هرمز تُستعاد رواية فارسية مهزومة وتُمنح حياة جديدة ، في الوقت الذي يُغيَّب اسم خالد ، ويُسحب من العرب أحد أهم رموز بعث الإمبراطورية العربية الكبرى في تاريخ المنطقة ، فإعادة التسمية هي استرداد لحقٍ مسلوب ، وإعادة الاعتبار لسلسلة من الوقائع التي لا يمكن القفز عليها ، وحين تتكلم الأسماء المعركة في حقيقتها على معنى من يُكتب اسمه في خرائط العالم ، ومن يستحق أن يُمحى من الذاكرة ، فإنها إذاً دعوة لإعادة الاعتبار ليُسمَّى المضيق باسم من غيَّر تاريخه لا باسم من انتهى عند بوابته !
المكان يعرف أصحابه ، والتاريخ لا ينسى من صنعه ، فذلك الممر الذي شهد سقوط أول رأس فارسي أمام السيف العربي ، ومرَّ عبر قرون من السيادة العربية على ضفتيه لا يستقيم أن يحمل اسم من انتهى فيه ، حان الوقت إذاً أن نسميه مضيق خالد بن الوليد ، وهو اسمٌ يعبِّر عن الفعل ، ويليق بالجغرافيا ، ويُعيد للتاريخ توازنه ، وعن هوية هذه الأرض كما كانت وكما ينبغي أن تُروى !
كتبه الدكتور والباحث في التاريخ / وليد الزهراني







إرسال تعليق