لماذا نفشل أحيانًا في إقناع الآخرين؟
كثيرًا ما نجد أنفسنا أسرى دوامة من النقاشات المرهقة؛ نسوق الأدلة الواضحة، ونبني الحجج المنطقية المحكمة، ومع ذلك نصطدم بجدار صلب من الرفض. يتبادر إلى الذهن سؤال جوهري: لماذا يفشل الحوار رغم نصوع الحقيقة؟
التفسير السطحي يعزو الأمر إلى نقص في المعلومات، لكن القراءة المتعمقة لطبيعة النفس الإنسانية تكشف أن الأزمة في كثير من الأحيان ليست معرفية، بل إرادية؛ فالمشكلة لا تكمن فيما يعرفه الطرف الآخر، بل فيما لا يريد أن يعرفه. إنها أزمة "إرادة الحقيقة".
الحقيقة كعبء ثقيل: سيكولوجيا التجنب المعرفي
الحقيقة ليست مجرد معلومة محايدة، بل قوة تغيير تفرض واقعًا جديدًا. والإنسان بطبعه يميل إلى الاستقرار والراحة، فإذا جاءت الحقيقة بما يقتضي تغييرًا في القناعات أو السلوك، شعر بثقلها. لذلك قد يتحول رفض الصواب من مجرد جهل إلى قرار داخلي واعٍ لتجنب كلفة التغيير.
يمكن تلخيص هذه الجدلية في معادلة دقيقة:
الحقيقة مسؤولية، والمسؤولية عمل، والعمل كلفة، والإنسان يكره الكلفة ويميل إلى الراحة.
فالاعتراف بالحقيقة يعني الاعتراف بوجوب تعديل المسار، وربما الاعتذار، وربما التخلي عن مصالح أو عادات. ولهذا يمارس بعض الناس نوعًا من "التجنب المعرفي"، فيختارون الجهل المتعمد آلية دفاعية تحمي نمط حياتهم من الاضطراب. وهنا لا يكون العائق نقصًا في الدليل، بل خوفًا من تبعاته.
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحالة النفسية في قوله تعالى:
﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ (النمل: 14).
فالجحود هنا ليس جهلًا، بل إنكار بعد يقين، تحركه دوافع داخلية من كبرياء أو مصلحة أو خوف.
المنهج القرآني في تصنيف المخاطَبين
في مطلع سورة البقرة من القرآن الكريم، يقدّم النص القرآني تصنيفًا دقيقًا لحالات الناس تجاه الحق، وهو تصنيف يرسم حدود جدوى الحوار.
يقول تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (البقرة: 6).
هؤلاء ليسوا مجرد جاهلين، بل اتخذوا موقفًا سابقًا برفض الحق، فجاء الحكم بأن الإنذار وعدمه سواء؛ لأن المشكلة ليست في وضوح الرسالة، بل في إرادة الاستقبال.
وفي المقابل، يتوجه الخطاب إلى عموم الناس بقوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ (البقرة: 21)،
ثم يفتح باب التحدي العقلي:
﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾ (البقرة: 23).
هنا يظهر الفرق بين "الجاحد" الذي أغلق قلبه، و"الباحث" الذي يعيش حالة تساؤل أو ريب، لكنه مستعد للنظر. هذا الأخير هو التربة الخصبة للحوار؛ لأن لديه استعدادًا نفسيًا للوصول إلى الحقيقة.
ويؤكد القرآن هذه الحقيقة في موضع آخر بقوله:
﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَىٰ﴾ (الأعلى: 9)،
أي أن التذكير مرتبط بوجود قابلية للانتفاع، لا بمجرد أداء الواجب الشكلي في الجدال.
متى يفقد الحوار شرعيته؟
الحوار وسيلة لبلوغ الحقيقة، وليس غاية في ذاته. فإذا انتفت إرادة الوصول، تحوّل النقاش إلى جدل عقيم، واستنزف الوقت والجهد دون ثمرة. وقد حذر القرآن من هذا النوع من الجدل في قوله تعالى:
﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (غافر: 4)،
وقوله:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ﴾ (الحج: 8).
فالجدل هنا ليس بحثًا صادقًا، بل مراوغة لحماية موقف مسبق. وفي مثل هذه الحالة، يصبح الانسحاب من الحوار نوعًا من الحكمة، لا هروبًا من المواجهة؛ إذ إن حماية الحقيقة من الابتذال أولى من إقحامها في معارك عبثية.
بين الجهل وكراهية التبعات
التمييز بين من يجهل الحقيقة ومن يكره تبعاتها هو جوهر الحكمة في التواصل. الجاهل يُعلَّم، والمتردد يُطمأن، أما من أغلق قلبه اختيارًا فإكراهه على الاقتناع ضرب من العبث.
قال تعالى:
﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (البقرة: 256)،
فالإيمان – وهو أسمى صور الاقتناع – لا يُفرض بالقوة، بل ينبع من إرادة داخلية حرة. فإذا تعطلت هذه الإرادة، تعطلت جدوى الحوار.
الأمانة الفكرية وانتقائية المعارك
إننا لا نفشل دائمًا في الإقناع بسبب ضعف حجتنا، بل أحيانًا لأننا نحاول إضاءة الطريق لمن قرر أن يغمض عينيه هربًا من مشقة السير.
الحكمة تقتضي أن نوجّه طاقتنا إلى من يملك استعدادًا صادقًا للبحث، وأن نحفظ وقتنا من الاستنزاف في معارك هدفها الانتصار للنفس لا الوصول إلى الحق.
إن "إرادة الحقيقة" هي الشرط الأول لأي حوار مثمر. فإذا حضرت، أثمرت الكلمات وازدهرت العقول، وإذا غابت، تحوّل النقاش إلى ضجيج لا يبدد ظلمة، ولا يوقظ ضميرًا.
الأستاذ: بشار محمد الدليمي







إرسال تعليق