قراءة في كتاب شقوق في جدار السنة
مقدمة..
(شقوق في جدار السنة) كتاب للدكتور طه حامد الدليمي يبدو أن الكتاب ولد في مرحلة انصهرت فيها الأحداث والصراعات وبدا أن هناك مرحلة تشكيل وترتيب لكثير من الأمور في العالم بشكل عام والمنطقة التي تعني صاحب الكتاب بشكل خاص. ويبدو أن بين سطور الكتاب الكثير من الأفكار التي يريد صاحبها أن يقذفها إلى جمهوره في لحظات ساخنة -على قاعدة أن الذهب لا يُنقى إلا عند درجة تسخين معينة- يريد بهذا أن يقلب مفاهيم سائدة حتى وإن كانت للجمهور صادمة.
من خلال القراءة في الكتاب يستشعر القارئ أن الكاتب قريب من تلك التي سماها شقوق، فكأنه يتحدث بثقة العارف لا بظن الباحث... فهو بذلك يسوق القارئ إلى تلك الشقوق ليراها كما يراها هو، لا يأبه بالصدمة التي ستعصف بالقارئ من اقترابه من قواعد وكتب اعتاد الجمهور أن يعتبرها مقدسة ولا يجب المساس بها.
يقول الدكتور طه حامد الدليمي في مقدمة كتابه:
قد يبدو عنوان الكتاب (شقوق في جدار السنة) غريبًا بعض الشيء لكن تذهب هذه الغرابة ببيان حقائق معينة ... فما هي الحقائق التي ستُذهِب غرابة عنوان الكتاب هذا ما سيُعرِّفنا الكاتب عليها ...؟؟؟
عن الكتاب..
خصص الكاتب الجزء الأول من هذا الكتاب لمناقشة بعض القضايا تحت مجموعة من العناوين، والتي أراد الكاتب أن يصل إلى الجمهور السني من خلال مشاركتهم هذه القضايا التي تمس ثقافتهم السنية، وخاصة في المناطق التي تشتد فيها المواجهة والصراع السني الشيعي، متحديًا كل من يرفض نقد ثوابت موروثة كقواعد علم الحديث ونقد أحاديث ضعيفة في كتب حظيت بدرجة عالية من القبول. يريد بذلك أن يوصل للجمهور (أن الكتاب الخالي من التشيع هو فقط كتاب الله).
كما يريد الكاتب أن يبعث رسالته من خلال هذا الكتاب إلى أهل السنة من علماء وغير علماء أن الاختراق الشيعي لثقافتنا بات مفضوحًا فأوقفوه قبل أن يكون مسموحًا. معتبرًا -كما يشرح هو- أن تلوث الثقافة هو معبر وطريق سلس للتشيع العقائدي.
سيكون القارئ أمام مائدة من الأحاديث توضع أمامه. سيصورها له الكاتب كأطباق ذهبية بداخلها طعام فاسد، الطبق هو السند والطعام هو المتن. وقتها للقارئ أن يختار تناول الطعام أو الامتناع عن تناوله.
التشيع الثقافي
يتصور صاحب الكتاب أن هناك مشكلة تسببت بأزمات كثيرة لأهل السنة عمومًا -وسنة العراق خصوصًا- هي التركيز على العلم، وإهمال الثقافة. معللًا ذلك بقوله: (وإذا كان العلم أحد عناصر تكوين الثقافة فالثقافة- بطبيعة الحال- أشمل من العلم وهي –بطبيعة الحال أيضًا- أكثر تأثيرًا في حركة المجتمع، فثقافة أي مجتمع هي التي تحدد موقفه العام تجاه مختلف الأشياء والقضايا وليس العلم. كما أن أثر الثقافة في توجيه الحركة العامة للفرد والمجتمع أكبر من العلم من حيث أن ميدان الثقافة الأكبر هو الجمهور بينما ميدان العلم الأكبر هو النخبة).
ويفصح عن طرفي المشكلة قائلًا: (المشكلة أن العرب –بما لديهم من شخصية ذات طبيعة أبوية ونزوع حضاري- انصرفوا إلى التركيز على العلم ونشره أكثر من الثقافة واشاعتها. كما أن الفرس –بما لديهم من شخصية أنوية متخلفة- اهتموا بالثقافة على حساب العلم). يبدو انه يعالج صراع بين طرفين.
الموالي..
يعتبر أن دخول الموالي في الإسلام (من فرس وعجم, لكن يركز على المولى الفارسي) أدى الى وجود مشكلة، أو كما سماها ( ثغرة) ويقول عنها: (من الثغرات التي لم تسد حتى الآن بقواعد تناسبها). لكن علمائنا المخضرمين منهم وما دونهم نقلوا من الحديث الكثير الكثير عن الموالي، وكتب أهل السنة مليئة بروايات الموالي مسندة بأسانيد صحيحة. كيف يعالج الكاتبُ القارئَ من صدمته عندما يقف القارئ مصدومًا أمام مسلمات لا يشك بها أحد وما قذفه الكاتب في عقل القارئ؟؟؟
سفينة..
يستعرض الكاتب بعض الموالي كأمثلة يريد أن يستدل بهم على حقيقة ما يقول، وتحت عنوان(سفينة) يعرض الروايات التي جاءت عن طريق المولى سفينة، يريد أن يثبت من خلالها أن الموالي هم ثغرة كانت قد تسببت باتساع شق الجدار.
يذكر في هذا الفصل وتحت هذا العنوان تهاويل وخرافات نقلت عن سفينة، وهنا وهو يشرّح شخصية سفينة للقارئ مستخدمًا مشرط استعاره من علم النفس وهو مصطلح (الدّور) سيقف القارئ مندهشًا أمام بعض ما عرض الكتاب عن هذه الشخصية.
الرواية عن الشيعة..
يقول الكاتب: ( أن أكثر ما يهم المحدث والفقيه هو العلم، مُضربًا عن البحث فيما يتعلق بالوعي)، وكأن الكاتب يريد أن يحمل المحدثين والفقهاء مسؤولية وعي الجمهور، وما يسميه اختراق الرواية الشيعية لكتب أهل السنة وثقافتهم موضحًا في الكتاب أن تركيزهم على السند وإهمال المتن هو حالة انزلاق، انزلق بها العلماء وانزلق معهم الجمهور السني إلى هاوية الرواية، التي كانت سببًا من أسباب تلوث الثقافة السنية. ولأن المتون حملت على السند دون أن ينظر في المتن دخلت الروايات الشيعية على ظهر السند، وتغلغلت داخل كتبنا وثقافتنا.. يصاب القارئ بحالة من الهلع من مشهد تشريحي يقدمه الكاتب للقارئ، مما يجعل القارئ يقطع قراءة الكتاب ليعود إلى الشبكة العنكبوتية ليتحقق من حقيقة ما يذكر.
السنة.. والحديث..ما الفرق؟
يريد الكتاب أن يصحح مفهوم وهو الخلط بين مفهومين مختلفين هو مفهوم السنة الثابتة وبين الحديث الذي هو الرواية الظنية. فيجد القارئ نفسه يتصارع بين حالتين حالة ما هو سائد ومُسَلَّم به، وبين حالة جديدة من طرح المفاهيم. يريد أن يمضي بالقارئ كي يشنق الحالة الأولى ويرفع الثانية على سارية وعيه.
الخطوط الحمراء..
تشكل قواعد علم الحديث لدى العلماء والفقهاء، وجمهور أهل السنة تمثال منصوب من الذهب لا يمكن أن يقترب منه أحد حتى لصوص الليل لا يجرؤون عليه لاعتقاد السواد الأعظم أن الاقتراب منها والتشكيك بأحدها هو محاولة للتطاول على السنة (بمفهومنا وليس بمفهوم صاحب الكتاب). لكن الدكتور طه حامد الدليمي يقترب من تلك القواعد لاعتقاده أن الشقوق جاءت منها ويسلط عدسة بحثه على تلك القواعد متفحصا لها، يشارك القارئ فيها وكأنه في مختبر للأحياء الدقيقة يتفحص خلية حيه تحت مجهر مكبر.
من اين جاء بتلك الشجاعة ليقترب من الخطوط الحمراء..؟!
البخاري ومسلم... المفاجئة!
مقولة كل ما في الصحيحين صحيح.. هي المقولة التي يستند عليها الجمهور في تلقي الحديث من الكتابين فإذا كان في الصحيحين فالحديث صحيح دون أن يبحث عن صحته. لا يمكن أن يتقبل الجمهور وأمامهم الكثير من العلماء بنقدٍ واحد لحديثٍ في البخاري أو مسلم لقول معروف أن الأمة تلقتهن بالقبول.. لكن الكتاب يفاجئ القارئ ويرسل عدسة بحثه ليخالف السائد من القول ويشكك بعبارة: (كل ما في الصحيحين صحيح). ما الذي يجعل الكاتب يُغامر ويضغط اصبعهُ على الزناد ويطلق رأيه معتقدًا:
( أن المقولة تسيء إلى الكتابين)؟؟
خط احمر آخر..
(هذا قول أهل السنة والجماعة)
كيف يمحي الكاتب الخطوط الحمراء التي خطت على القواعد وينزل هذه القاعدة وغيرها إلى ساحة النقد دون أن يواجه ضجيج وصراخ المقدسين لتلك المقولات؟. قد يبدو الامر صعبًا.. لكنه لا يبدو مستحيلًا عنده. إن دخول ساحات الهدم من اجل البناء تحتاج معولًا حادًا وقويًا، وتحتاج دقةً وصبرًا وشجاعةً، لأن هدم المألوف رصاصة تطلق إما إلى الأمام فتصيب الهدف أو ترجع إلى الخلف فتقتل صاحبها...ما هو معول الكاتب يا ترى؟؟
الرهاب السُني ..
يُعرّف الرهاب: على أنه خوف شديد وغير منطقي ومستمر من شيء معين.
يستخدم الكاتب هذا المصطلح لوصف حالة في المجتمع السني يسميها: (الرهاب السني من تخطئة الحسين في خروجه على يزيد). هل يريد من القارئ الانحياز إلى يزيد؟! أم يريد أن يشكل تصور آخر عن شخصية الحسين لدى أهل السنة حيث أن الكثير من اهل السنة يتفق مع الشيعة في نظرتهم للحسين؟
وكأنه وصل إلى تساؤلنا فتدارك علينا السؤال فقال:(الدفاع عن عظمائنا وأولهم الصحابة هو مقصودنا ).
من اين جاء الهجوم على عظمائنا؟
ما الذي فاجأني..
وأنا أتسلسل بقراءة الكتاب حتى وصلت لصفحة (170) تفاجأت بعنوان: (دور معاجم اللغة المتأخرة في توهين الثقافة السنية أمام الثقافة الشعوبية). حتى اللغة يا دكتور؟... حتى اللغة إيها القارئ!
يأتي بمصطلح أهل البيت كحالة للدراسة، و(كيف انحرف معنى اهل البيت في المعاجم المتأخرة عن لغة القرآن والعرب؟). إلى أين يريد أن يصل بالقارئ؟ هل الشقوق وصلت لجدار المعاجم اللغوية؟
أيهما أخطر؟ التاريخ أم الحديث؟
يرى الدكتور طه أن دور الحديث أخطر، لأن له دور كبير في تسلل الثقافة الشعوبية التي على حد قوله مهدت لنشر التشيع الثقافي في أوساط الأمة ويعلل ذلك: ( لمنزلة الحديث ومنزلته عند المسلمين باعتباره الأصل الثاني الذي يقوم عليه الدين).
لكن ما علاقة المحدثين ومؤلفاتهم ؟! ولماذا يكتب عنوان: ( كثير من المحدثين لهم دور في توهين الثقافة السنية امام الثقافة الشعوبية؟)، ثم يأتي بعنوان آخر: (مؤلفات المحدثين.. التطبيق العملي لاختبار مدى احكام قواعد الحديث). ويضع ابن حجر العسقلاني وكتابه (الإصابة في تمييز الصحابة) مثالًا.
هل تشيع النسائي؟
يُقَسِّم الكاتب التشيع إلى قسمين: تشيع عقائدي وآخر ثقافي، ويبدو أن كتابه يستهدف التشيع الثقافي لأنه من عنوانه يبدو أنه موجه لأهل السنة دون غيرهم. هل عنوان تشيع بعض علماء الحديث سيكون مقبولا؟ هل سيستطيع الكاتب أن يقنع القارئ بتشيع بعض علماء الحديث ومنهم النسائي؟ ماذا لو استخدم الكاتب لغة الارقام؟ هل سينكر القارئ هذه الارقام بعد ان يتثبّت من صحتها ؟
الحاكم والصحيحين..
ماذا استدرك الحاكم على الصحيحين؟ بالأرقام أيضًا يحاول أن يثبت أن الحاكم لم يستدرك على الصحيحين إلا الضعيف من الأحاديث.. ويضع لنا الكاتب عملية حسابية يبين من خلالها عدد الأحاديث التالفة في(المستدرك) ويعلق بعدها قائلًا:
(أمثل هذا الكتاب التالف يصلح أن يستدرك به على صحيحي البخاري ومسلم؟)
عندما انهيت الكتاب..
لقد تضخمت المكتبة الإسلامية بأعداد هائلة من الكتب والمصنفات ولكن ومع ذلك التضخم لم يتضخم الوعي لدينا نحن الذين نقف على الصفيح الساخن. إن الصراع الحقيقي يبدأ من الفكر ثم يتحول إلى سلاح في اليد ونحن في أزماتنا ومحاولة حل تلك الأزمات تقوقع العلماء داخل العلم وتركوا الثقافة تسبى أمام أعينهم..
خاتمة..
يستهدف الكاتب من خلال كتابه هذا وعي الجمهور السني طارقًا بمطرقته بعض القضايا الحساسة، لا اعتقد أن احدًا توسع بالطرق عليها، و يتفرد الكاتب بطريقة تناوله لتلك القضايا بطريقة عميقة وجديده على القارئ السني، ويساعد ذلك أن كتابه مبسط مفهوم تصل مقاصده بسلاسة إلى وعي القارئ، وأحيانًا يأخذ القارئ ليشاركه البحث عن قرب من خلال عرض أمثلة وضعها أمام القارئ ليصل الكاتب إلى ما يريد. إنه يفتح بابًا للبحث يجعل للفرد المسلم غير المتخصص حقًا في الدخول منه بعد أن اعتاد الناس أن بعض القضايا وأمور في الدين لا يجب الخوض فيها إلا من خلال رجل الدين. هل سيشكل الكتاب انقلاب للوعي السني ؟ وهل سيراجع الجمهور السني علماء وافراد بعض المسلمات التي ناقشها الكاتب ؟ هل سَيتقبّلوا مخالفة المألوف؟
الأستاذة: نور عبد الهادي







إرسال تعليق