الإخوان المسلمون: من الكوفة إلى لندن وطهران وأنقرة
حين نبحث عن أكثر الحركات خيانةً وتلويثًا للدين وتوظيفًا للشعارات لإسقاط الدول من الداخل، لا نجد في تاريخ العرب ما يوازي جماعة الإخوان المسلمين. فهذه ليست جماعة دعوية كما يُروَّج لها، بل هي امتداد حديث لتنظيمات حمراء الكوفة؛ تلك الحركات ذات النزعة الشعوبية التي استخدمت الدين سلَّمًا للطعن في العرب ودولهم، ثم نقلت أفكارها عبر القرون حتى استقر أثرها في منهج الإخوان. فـ"الإخونجي" ليس ظاهرة جديدة، بل هو امتداد لتلك الحركات القديمة بعد أن غيَّرت مظهرها الخارجي.
جذور هذا الامتداد تعود إلى الحركات الباطنية في القرن الأول الهجري، حيث نشأت في الكوفة حركات تستتر بالدين تحت شعارات الإصلاح ومحاربة الظلم، بينما كان هدفها الحقيقي هدم الدولة العربية من الداخل عبر تنظيمات سرية تتلقى أوامر من قيادات خفية، وتغلّف مشروعها بغطاء ديني عاطفي. وهذا هو المنهج ذاته الذي تبنّاه حسن البنّا لاحقًا، من حيث التنظيم السري والذهنية السياسية القائمة على التخفّي والمناورة.
تتصل هذه السلسلة التاريخية من حركات الكوفة الباطنية إلى المحافل الماسونية ثم إلى ما يُعرف بـ الإخوان المسلمين. فالتنظيم السرّي يشبه نظام فرق الاغتيالات الباطنية، والبيعة للمرشد صورة محدثة لمنهج الأئمة المستترين، والخطاب المزدوج امتداد لما مارسه الغلاة قديمًا.
أما من حيث النشأة السياسية الحديثة، فـ”بريطانيا“ كانت المصنع الأول للجماعة في ثلاثينيات القرن العشرين، حيث دعمت حسن البنّا وقدّمته للمشهد عبر رعاية استخباراتية، وأن الجماعة نمت في ظل الفراغ السياسي الذي أتاحته القوى الاستعمارية آنذاك، بهدف استخدام الدين كأداة نفوذ داخل العالم العربي.
لماذا أُختير الإخوان دون غيرهم؟
يعود السبب إلى توفر عناصر تنظيمية معينة داخل الجماعة: بنية سرية، خطاب ديني، معارضة للدولة العربية، واستعداد للارتباط بالقوى الخارجية. وهنا برزت السعودية بموقف واضح مبكر تجاه الجماعة. ففي لقاء الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود (طيّب الله ثراه) مع حسن البنّا عام 1354هـ، طلب البنّا فتح مكتب للإخوان في المملكة العربية السعودية، فرد الملك قائلًا: «نحن إخوان.. ونحن مسلمون»، في رفض صريح لإنشاء تنظيم داخل الدولة. ثم نُقل عنه قوله: «أخرجوا هذا الرجل فإنه صاحب فتنة».
وفي عام 2014 أعلنت المملكة العربية السعودية جماعة الإخوان تنظيمًا إرهابيًا، لتكون أول دولة كبرى تعلن هذا الموقف.
وفي العقود الأخيرة توجّه الإخوان نحو إيران وتركيا بحكم التقاطع في الطموحات السياسية، بينما ظل ارتباط الجماعة غير المباشر ببريطانيا قائمًا ضمن شبكة مصالح سياسية.
وعندما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تصنيف الجماعة تنظيمًا إرهابيًا، اعتُبر ذلك تأكيدًا لوجهة النظر السعودية، وأن خطورة الجماعة تكمن في قدرتها على التخفي تحت غطاء دعوي بينما تمارس نشاطًا سياسيًا وتنظيميًا.
وفي الختام ..الإخوان هم امتداد لحمراء الكوفة بوجه معاصر، حاملاً صفات باطنية وتنظيمية تتعارض مع الدول العربية ومصالحها.
الأستاذ : وليد الزهراني







إرسال تعليق