الجرح والتعديل بواسطة الرؤى والأحلام!
يحرص المحدّثون والفقهاء على تقديم علم الحديث بوصفه – في نظرهم – العلم الأدق والأقرب إلى العقل والمنطق، بل يرفعونه إلى مرتبة أشرف العلوم بعد علم العقيدة. وفي سبيل تثبيت هذه الصورة، يكثرون الحديث عن ”التخصص“ و «منهجية» علم الرواية، وعن المشايخ الكبار الذين أشتهرت أسماؤهم في كتب التراث والحديث والفقه. وفي المقابل، لا يترددون في وصف كل من يناقش منطلقاتهم أو ينتقد منهجهم بالجهل والتهور، وأحيانًا يضيفون إلى ذلك تهمًا بالإقصاء والتضليل وإنكار السُنة، وربما التكفير؛ وهي أساليب اعتادوها عند مواجهة من يخالفهم في الرؤية أو الأسس التي يقوم عليها ما يسمونه بالعلوم الشرعية.
ولأن كثيرًا من الناس قد ينخدعون بعبارة ”التخصص الشرعي“، أحببت في هذا المقال أن أضع بين أيدي القرّاء بعض النماذج من نصوص معتمدة عند أهل هذا التخصص، وهي مما يدرسه طلبة الجامعات المصنَّفة ”إسلامية“ أو ”شرعية“، ليقف القارئ بنفسه على طبيعة المادة التي تُعامل كمسلمات لا تقبل المراجعة.
ففي كتاب فتح المغيث للسخاوي، وهو من أبرز مراجع علم الرجال، يورد المؤلف قصة مفادها أن رجلًا رأى في المنام النبي ﷺ وأصحابه مجتمعين عند وفاة الإمام ابن معين، فسألهم عن سبب اجتماعهم، فأجاب النبي ﷺ – وفق الرواية –: «جئت لأصلّي على هذا الرجل؛ لأنه كان يدفع الكذب عن حديثي». وتتابع الرواية وصف منادٍ ينادي عند جنازته بأنه كان ”ينفي الكذب عن رسول الله“، ثم تظهر رؤيا أخرى يُسأل فيها ابن معين عما ناله بعد موته، فيذكر مغفرة واسعة وزواجًا من مئات الحوريات!
هذه النصوص تُقدَّم في كتب الطبقات بوصفها شواهد علمية، وليست حكايات وجدانية أو مواعظ شعبية.
وفي موضع آخر من الكتاب نفسه، يروي السخاوي حادثة يقول فيها أبو الطيب الطبري إن شابًا خراسانيًا اعترض على حديث أبي هريرة في مسألة فقهية، وما إن أنهى اعتراضه حتى سقطت عليه – كما تزعم الرواية – حيّة ضخمة من سقف المسجد، تبعته وحده دون غيره حتى أعلن توبته، فاختفت الحيّة ولم تُرَ بعدها.
وتُقدَّم هذه القصة داخل سياق الحديث عن ”عدالة الرواة“ و ”حرمة الاعتراض على الأئمة المحدثين“!!
وفي النكت للزركشي، يُنقل عن إمام الحرمين أنه ذكر أن الإمام البخاري كان يصنف صحيحه بين القبر والمنبر في الروضة الشريفة، ثم يروي حكاية عن رجل غلبته عيناه فرأى النبي ﷺ يعاتبه؛ لأنه يروي عن أحد المحدثين الذين ”يطعنون في الصحابة“، قبل أن يقرر النبي في الرؤيا أنه ثقة ولا بأس بالرواية عنه!
فتتحول الرؤيا هنا – مرّة أخرى – إلى أداة لتزكية راوٍ وحسم قضية علمية.
أما كتب مثل شرح علل الترمذي لابن رجب والجرح والتعديل لابن أبي حاتم وتهذيب الكمال، فتورد رواية أخرى عن شخص رأى الإمام مالك في المنام، فسأله عن راوٍ اسمه هشام بن عروة، فميّز له الإمام في الحلم بين روايات هشام القديمة والصادرة بعد سفره! وكأن تصحيح الروايات وتضعيفها يمكن أن يُفصل فيه من خلال المنام.
وفي كتاب ميزان الاعتدال للذهبي نجد قصة رجل يسأل أحد المحدثين عن سبب تركه للرواية عن عمرو بن عبيد، فيجيبه بأنه رأى الناس في المنام يصلّون للقبلة بينما كان عمرو يدير ظهره لهم، فاستدل بذلك على بدعته وامتنع عن الرواية عنه!
هكذا تتحول الأحلام مرة أخرى إلى معيار لتوثيق الرواة أو رفضهم.
إن هذه النماذج ليست إلا جزءًا يسيرًا مما تزدحم به كتب الحديث والرجال من رؤى ومنامات تُعامل بمنطق العلم ويتم الاستشهاد بها في سياق التوثيق أو الجرح أو التعديل. ومع ذلك، لا يتردد أهل هذا التخصص في مطالبة الناس بالقبول غير المشروط لعلومهم، واتهام من يتساءل أو يناقش بأنه جاهل أو معادٍ للدين.
إن عرض هذه الحكايات ليس ازدراءً للتراث، بل محاولة لتذكير القارئ بأن ”العلم“ الذي يطالبون الناس بتقديسه مليء بالخوارق والمنامات والأساطير التي لا تنتمي إلى منهج نقدي أو عقلاني معاصر. والواجب – إذا أردنا فعلًا علمًا رصينًا – أن نعيد النظر في هذا التراث، ونفكك ما تراكم فيه من قداسة، ونخضعه للفحص والنقد، لا أن نُساق وراءه مساق التلقين والتسليم دون تمحيص أو مراجعة.
وأعلمُ جيداً أن بعض القرّاء قد يتّهمونني بإنكار السُّنّة، أو الطعن في العلماء، أو مخالفة منهج المحدّثين، أو الابتداع والضلال، وغير ذلك من الاتهامات الجاهزة. غير أنّ الوقت قد حان لقول الحقيقة بوضوح، وكشف ما تراكم من عبثٍ أرهق عقول المسلمين وأعاقهم عن الفهم السليم. إنّ البحث عن الحق لا ينبغي أن يُقابَل بالتخوين، ولا أن تُحجب دونه الأسئلة الصادقة. وما أرجوه في الختام هو أن يكون هذا الطرح خطوة نحو وعيٍ أعمق، ونقاشٍ أنضج، ينطلق من الحرص على الدين لا من الخوف من النقد.
- أبوالحارث الدليمي -







إرسال تعليق