هل العزف والغناء محرم أم مباح؟
تُثار مسألة المعازف والغناء كثيرًا في النقاشات الفقهية المعاصرة، بين قولٍ بالتحريم المطلق، وآخر بالإباحة أو التفصيل. ومن أبرز من قال بإباحة المعازف صراحةً هو: أبو محمد علي بن حزم الأندلسي الظاهري (ت 456هـ)، وهو قولٌ خالف فيه جمهور الفقهاء، لكنه بُني على أصولٍ علمية واضحة.
في هذه المقالة نستعرض رأيه، وأدلته، ومن وافقه من أهل الفقهاء.
منهج ابن حزم في الاستدلال
ينطلق ابن حزم من أصلٍ أصولي راسخ، وهو أن الأصل في الأشياء الإباحة، ولا ينتقل عن هذا الأصل إلا بدليل صحيح صريح من القرآن أو السنة. وبناءً على هذا الأصل، قرر أن المعازف تبقى على الإباحة حتى يثبت تحريمها بدليل لا مطعن فيه.
قال في كتابه المحلّى:
«المعازف كلها مباحة، ولم يصح نهيٌ عن شيء منها».
موقفه من أدلة التحريم
أولًا: حديث «المعازف» المشهور
يُستدل عادةً بحديث:
«ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف…»
وقد ضعّف ابن حزم هذا الحديث، وعلّل ذلك بوجود الانقطاع والكلام في بعض رواته. وذهب إلى أنه – حتى على فرض صحته – لا يدل صراحةً على التحريم، لأن لفظ «يستحلون» يفترض تحريمًا سابقًا لم يثبت بنص قطعي عنده.
ثانيًا: الاستدلال بآية (لهو الحديث)
قال تعالى:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان: 6]
يرى ابن حزم أن الآية لا تتناول الغناء أو المعازف بذاتها، وإنما تذم من يتخذ اللهو وسيلة للإضلال عن سبيل الله. فالمذموم هو القصد والنتيجة، لا مجرد الصوت أو الآلة.
أدلة الإباحة من السنة النبوية
استدل ابن حزم بأحاديث صحيحة تدل على إقرار النبي ﷺ للغناء في مواضع معيّنة، من أشهرها:
- حديث غناء الجاريتين في بيت السيدة عائشة رضي الله عنها، وقول النبي ﷺ لأبي بكر:
«دعهما، فإن لكل قوم عيدًا».
- إباحة ضرب الدف في الأعراس والأعياد.
- ويقرر ابن حزم أن إقرار النبي ﷺ دليل واضح على أن الغناء في أصله ليس محرمًا.
التفريق بين المعازف والمحرمات المصاحبة
يشدد ابن حزم على أن التحريم لا يكون لذات المعازف، وإنما لما قد يقترن بها من محرمات، مثل:
- الكلام الفاحش
- شرب الخمر
- الاختلاط المحرم
- إثارة الشهوات المؤدية إلى المعصية
أما إذا خلت من ذلك، فهي باقية على أصل الإباحة.
من العلماء الذين وافقوا ابن حزم أو قاربوا قوله
لم يكن ابن حزم منفردًا بهذا الرأي، بل وافقه أو مال إليه عدد من الفقهاء والباحثين، منهم:
- أبو حامد الغزالي، حيث قرر في إحياء علوم الدين أن الغناء مباح في الأصل، ويتغير حكمه بحسب مضمونه وأثره.
- ابن طاهر المقدسي، الذي قال: «لم يصح في تحريم الغناء والمعازف حديث واحد».
- القاضي أبو بكر ابن العربي المالكي، الذي صرّح بعدم ثبوت دليل صحيح يعتمد عليه في التحريم.
- ونُقل عن الشافعي أنه عدّ الغناء لهوًا مكروهًا لا محرمًا.
أما ماذُكر عن ابن مسعود في قوله تعالى : ( ومن الناس من يشتري لهو الحديث ) قال : هو - والله - الغناء.. وعلى هذا الحديث اعتمد كثير من المفسرين منهم: إبن كثير والطبري.
قال ابن جرير : حدثني يونس بن عبد الأعلى ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني يزيد بن يونس ، عن أبي صخر ، عن أبي معاوية البجلي ، عن سعيد بن جبير ، عن أبي الصهباء البكري ، أنه سمع عبد الله بن مسعود - وهو يسأل عن هذه الآية : ( ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله ) - فقال عبد الله : الغناء ، والله الذي لا إله إلا هو ، يرددها ثلاث مرات.
وهنا سوف أذكر راوٍ واحد واترك مجال البحث للقارئ حول بقية الرواة.
الراوي : عمار بن معاوية
الاسم: عمار بن معاوية (عمار بن معاوية، ويقال: ابن أبي معاوية، ويقال: ابن صالح، ويقال: ابن حبان)
الكنية: أبو معاوية، أو: أبو عبد الله
النسب: الدهني، البجلي، الكوفي
بلد الإقامة: الكوفة
علاقات الراوي: مولى الحكم بن نفيل، والد معاوية بن عمار، مولى أحمس
المذهب العقدي: نسب إلى التشيع
تاريخ الوفاة: 133 هـ
طبقة رواة التقريب: الخامسة
الرتبة عند ابن حجر: صدوق يتشيع
الرتبة عند الذهبي: شيعي موثق
الجرح والتعديل..
قال أحمد بن حنبل: لم يسمع من سعيد بن جبير شيئا [تحفة التحصيل في المراسيل (1/ 367)]
زعم المزي أن ابن حبان ذكره في كتاب " الثقات " لم يزد، وأغفل منه – إن كان نقله من أصل – كنيته: أبو معاوية، وكنية أبيه أبو معاوية، وهو الذي يقال له: عمار بن أبي معاوية، وربما أخطأ وكان راويا لسعيد بن جبير [إكمال تهذيب الكمال (9/ 398)] ربما أخطأ [الثقات (5/ 268)]
ابن حجر : صدوق يتشيع [تقريب التهذيب (1/ 710)] هـ [لسان الميزان (9/ 377)]
قال الذهبي : شيعي موثق [الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة (3/ 467)]
قال الفسوي : وقال يعقوب بن سفيان: بياع السابري كوفي لا بأس به [إكمال تهذيب الكمال (9/ 398)]
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه، وإسحاق بن منصور عن يحيى بن معين، وأبو حاتم، والنسائي: ثقة [تهذيب الكمال (21/ 208)]
أبو بكر بن عياش : وقال أبو عبيد الآجري، عن أبي داود: كانت لأبي بكر بن عياش صولة، مر به عمار الدهني، فقال له: تعال هاهنا، أنت سمعت من سعيد بن جبير ؟ فقال: لا. قال: اذهب بسلام [تهذيب الكمال (21/ 208)]
قلت: وسأله أبو بكر بن عياش: سمعت من سعيد بن جبير ؟ فقال: لا، انتهى [تحفة التحصيل في المراسيل (1/ 367)]
وقال القواريري، عن أبي بكر بن عياش في عمار: إنه لم يسمع من سعيد بن جبير [تهذيب التهذيب (3/ 204)]
وقال القواريري، عن أبي بكر بن عياش: مر بي عمار الدهني، فدعوته، فقلت: يا عمار، تعال. فجاء، فقلت: سمعت من سعيد بن جيبر ؟ قال: لا. قلت: فاذهب [تهذيب الكمال (21/ 208)]
وقال العقيلي: نسب إلى التشيع، يحدث عن سعيد بن جبير ولم يسمع منه، روى عنه جابر أظنه الجعفي. [إكمال تهذيب الكمال (9/ 398)].
خلاصة المقال..
يتضح أن قول الإمام ابن حزم بإباحة المعازف مبني على منهجٍ أصولي واضح، يعتمد على التمسك بالنص الصحيح الصريح، ورفض القياس أو الاستحسان في باب التحريم. ورغم أن جمهور الفقهاء على خلاف قوله متأولين الآية الكريمة، إلا أن رأيه يبقى قولًا معتبرًا له سنده العلمي، ويؤكد أن الخلاف في هذه المسألة قديم، وأنه من مسائل الاجتهاد التي يسع فيها الخلاف.
مراجع مقترحة للقراءة
- ابن حزم، المحلّى بالآثار.
- الغزالي، إحياء علوم الدين.
- ابن العربي، أحكام القرآن.
- ابن طاهر المقدسي، كتاب السماع.
- ابن عبد البر، التمهيد.
الأستاذ : أبو الحارث الدليمي







إرسال تعليق