تصحيح مفهوم السَّلَف .. من هم سَلَفُ الأمَّة على الحقيقة ؟
يشيع في الاستعمال المعاصر توسيع لفظ السَّلَف بلا ضابط حتَّى صار يُطلق على كل من تقدَّم زمانه أو عاش قبلنا ، وهذا خطأٌ منهجيّ ، إذ إنَّ السَّلَف في الاصطلاح الشرعي المأثور ليس كل متقدَّم ، بل هم أهل القرون المفضَّلة الثلاثة التي شهد لها النبي صلَّى الله عليه وسلَّم بالخيرية بدءاً بالصحابة ثمَّ كبار التابعين ثمَّ أتباع التابعين ..
الدلالة اللغوية والشرعية للفظ السَّلَف ، فالسَّلَف في لسان العرب بمعنى المتقدِّم السابق ، لكن الشرع خصَّصه بمنهجٍ وزمنٍ وأجيالٍ معينة لا يتجاوزها كما دلَّت عليه نصوص السنة ، وأهم تلك النصوص قوله صلَّى الله عليه وسلَّم : « خيرُ النّاس قرني ، ثمَّ الذين يلونهم ، ثمَّ الذين يلونهم » متفقٌ عليه رواه البخاري في صحيحه ( كتاب الشهادات ، باب لا يشهد على شهادة جور ، حديث رقم 2652 ) ومسلم ( كتاب فضائل الصحابة ، باب فضل الصحابة ، حديث رقم 2533 ) ، ولهذا الحديث أصلٌ في الباب إذ حصر الخيرية في ثلاثة أجيال محددة ، ولم يربطها بمفهوم القرن الزمني المكوَّن من 100 عام ، بل بالجيل البشري المتعاقب ..
القرن في لسان العرب لا يعني مائة سنة بالضرورة ، والمراد هنا الجيل ، وكما قال الله تعالى في { سورة الإسراء الآية : 17 } : ﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ ﴾ أي : الأجيال ، وهذا يدل على أن القرن بمعنى الجيل في المقام الأوَّل ، وقوله صلَّى الله عليه وسلَّم في الحديث الصحيح المتَّفق عليه والذي أخرجه البخاري بعدَّة ألفاظٍ وأسانيد في صحيحه : « لا تزال طائفةٌ من أُمَّتي ظاهرين على الحق … » ، وإن كان هنا لفظ "الظهور" ممتداً إلَّا أنّ القمَّة النموذجية المؤسِّسة بقيت في القرون الثلاثة الأولى ..
من هم السَّلَف بالضبط ؟
وفق النصوص والاصطلاح العلمي الراسخ نستطيع أن نقسِّم السَّلَف إلى ثلاث طبقات متعاقبة :
1 - طبقة السَّلَف الأولى : الصحابة رضي الله عنهم ، وهم الجيل المؤسِّس والشهود على الوحي وأصحاب الشرف القطعي بالنص ..
2 - طبقة السَّلَف الثانية : كبار التابعين ، وهم الذين تلقّوا الدين غضًّا من أفواه الصحابة رضي الله عنهم ..
3 - طبقة السَّلَف الثالثة : أتباع التابعين ، وهم الجيل الذي أخذ العلم عن كبار التابعين ، وهو الجيل الذي اكتمل فيه تدوين العلوم واستقرار المذاهب الأولى ..
هذه الأجيال الثلاثة المتعاقبة هي مجمل ما يُسمَّى بالقرون المفضَّلة !
لماذا لا يُقصد بالقرن هنا 100 سنة ؟
القرن في الحديث ليس زمناً حسابياً ، وإنما هو جيلٌ من البشر ، ولو كان القرن = 100 سنة لما كانت الأجيال الثلاثة متتابعة لأن الصحابة والتابعين وأتباع التابعين توالدوا وتداخلت أعمارهم في فترة أقل من ثلاثة قرون حسابية ، ولهذا اتفق أئمة اللغة والحديث على أنَّ القرن = الجيل من الناس ، وليس زمناً محدداً بعدد السنين ..
من أبرز شواهد ذلك ما قاله الخطابي (ت 388 هـ) في "معالم السنن ج4/ص255" : « القرن أهلُ زمانٍ واحدٍ متقاربون في السنّ » ، وقول ابن حجر العسقلاني (ت 852 هـ) في "فتح الباري ج7/ص6-7-8" : كلامٌ يطول مفاده أنَّ « المقصود بالقرون الأجيال الثلاثة المشهود لها بالخيرية »
انتهاء القرون المفضَّلة بانتهاء الدولة الأموية سنة 132 هـ ، فقد أجمع أهل التاريخ والحديث على أنَّ آخر أتباع التابعين ، وهم الجيل الثالث من القرون المفضَّلة قد كان عصرهم في أواخر الدولة الأموية وبداية الدولة العباسية ، لكن العُرف العلمي يجعل نهاية الدولة الأموية هي الحدّ الفاصل العملي لانتهاء القرون المفضَّلة !
من الأدلَّة والاعتبارات على ذلك أنَّ أكابر أتباع التابعين ، وهم طبقة القرون المفضَّلة أدركوا العقود الأخيرة من الحكم الأُموي ، كالإمام مالك بن أنس إذ وُلِدَ في عام 93 هـ ، والأوزاعي وُلِدَ في 88 هـ ، وهذين هم من قمَّة الجيل الثالث "أتباع الأتباع" ..
ثمَّ كان التحوُّل السياسي والعقدي بعد 132 هـ مع قيام الدولة العباسية فُتح باباً جديداً في التاريخ ، فلم يعُد استمراراً صافياً للعصر السلفي النقي ، وظهرت فيه سياسات المصادرة العلمية ، وبروز الاتجاهات الكلامية ، واشتداد الفتن المذهبية ، وكان بداية التدوين المتأخِّر خارج البيئة السلفية الأولى ، فقد قرر أكثر "أهل العلم" أنَّ السَّلَف هم من كان قبل ظهور البدع وانتشارها ، وأكثرها تفشَّى بعد سقوط الدولة الأُموية الراشدة ..
وبذلك يصحُّ القول تأصيلاً : إنَّ القرون المفضَّلة الثلاثة الأولى تنتهي عملياً عند سنة 132 هـ ، وهي سنة سقوط الدولة الأموية في المشرق ، إذ إنَّ هذا التاريخ يُنهي الجيل الثالث الذي شهد له نبينا صلَّى الله عليه وسلَّم بالخيرية.
الدلالة اللغوية والشرعية للفظ السَّلَف ، فالسَّلَف في لسان العرب بمعنى المتقدِّم السابق ، لكن الشرع خصَّصه بمنهجٍ وزمنٍ وأجيالٍ معينة لا يتجاوزها كما دلَّت عليه نصوص السنة ، وأهم تلك النصوص قوله صلَّى الله عليه وسلَّم : « خيرُ النّاس قرني ، ثمَّ الذين يلونهم ، ثمَّ الذين يلونهم » متفقٌ عليه رواه البخاري في صحيحه ( كتاب الشهادات ، باب لا يشهد على شهادة جور ، حديث رقم 2652 ) ومسلم ( كتاب فضائل الصحابة ، باب فضل الصحابة ، حديث رقم 2533 ) ، ولهذا الحديث أصلٌ في الباب إذ حصر الخيرية في ثلاثة أجيال محددة ، ولم يربطها بمفهوم القرن الزمني المكوَّن من 100 عام ، بل بالجيل البشري المتعاقب ..
القرن في لسان العرب لا يعني مائة سنة بالضرورة ، والمراد هنا الجيل ، وكما قال الله تعالى في { سورة الإسراء الآية : 17 } : ﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ ﴾ أي : الأجيال ، وهذا يدل على أن القرن بمعنى الجيل في المقام الأوَّل ، وقوله صلَّى الله عليه وسلَّم في الحديث الصحيح المتَّفق عليه والذي أخرجه البخاري بعدَّة ألفاظٍ وأسانيد في صحيحه : « لا تزال طائفةٌ من أُمَّتي ظاهرين على الحق … » ، وإن كان هنا لفظ "الظهور" ممتداً إلَّا أنّ القمَّة النموذجية المؤسِّسة بقيت في القرون الثلاثة الأولى ..
من هم السَّلَف بالضبط ؟
وفق النصوص والاصطلاح العلمي الراسخ نستطيع أن نقسِّم السَّلَف إلى ثلاث طبقات متعاقبة :
1 - طبقة السَّلَف الأولى : الصحابة رضي الله عنهم ، وهم الجيل المؤسِّس والشهود على الوحي وأصحاب الشرف القطعي بالنص ..
2 - طبقة السَّلَف الثانية : كبار التابعين ، وهم الذين تلقّوا الدين غضًّا من أفواه الصحابة رضي الله عنهم ..
3 - طبقة السَّلَف الثالثة : أتباع التابعين ، وهم الجيل الذي أخذ العلم عن كبار التابعين ، وهو الجيل الذي اكتمل فيه تدوين العلوم واستقرار المذاهب الأولى ..
هذه الأجيال الثلاثة المتعاقبة هي مجمل ما يُسمَّى بالقرون المفضَّلة !
لماذا لا يُقصد بالقرن هنا 100 سنة ؟
القرن في الحديث ليس زمناً حسابياً ، وإنما هو جيلٌ من البشر ، ولو كان القرن = 100 سنة لما كانت الأجيال الثلاثة متتابعة لأن الصحابة والتابعين وأتباع التابعين توالدوا وتداخلت أعمارهم في فترة أقل من ثلاثة قرون حسابية ، ولهذا اتفق أئمة اللغة والحديث على أنَّ القرن = الجيل من الناس ، وليس زمناً محدداً بعدد السنين ..
من أبرز شواهد ذلك ما قاله الخطابي (ت 388 هـ) في "معالم السنن ج4/ص255" : « القرن أهلُ زمانٍ واحدٍ متقاربون في السنّ » ، وقول ابن حجر العسقلاني (ت 852 هـ) في "فتح الباري ج7/ص6-7-8" : كلامٌ يطول مفاده أنَّ « المقصود بالقرون الأجيال الثلاثة المشهود لها بالخيرية »
انتهاء القرون المفضَّلة بانتهاء الدولة الأموية سنة 132 هـ ، فقد أجمع أهل التاريخ والحديث على أنَّ آخر أتباع التابعين ، وهم الجيل الثالث من القرون المفضَّلة قد كان عصرهم في أواخر الدولة الأموية وبداية الدولة العباسية ، لكن العُرف العلمي يجعل نهاية الدولة الأموية هي الحدّ الفاصل العملي لانتهاء القرون المفضَّلة !
من الأدلَّة والاعتبارات على ذلك أنَّ أكابر أتباع التابعين ، وهم طبقة القرون المفضَّلة أدركوا العقود الأخيرة من الحكم الأُموي ، كالإمام مالك بن أنس إذ وُلِدَ في عام 93 هـ ، والأوزاعي وُلِدَ في 88 هـ ، وهذين هم من قمَّة الجيل الثالث "أتباع الأتباع" ..
ثمَّ كان التحوُّل السياسي والعقدي بعد 132 هـ مع قيام الدولة العباسية فُتح باباً جديداً في التاريخ ، فلم يعُد استمراراً صافياً للعصر السلفي النقي ، وظهرت فيه سياسات المصادرة العلمية ، وبروز الاتجاهات الكلامية ، واشتداد الفتن المذهبية ، وكان بداية التدوين المتأخِّر خارج البيئة السلفية الأولى ، فقد قرر أكثر "أهل العلم" أنَّ السَّلَف هم من كان قبل ظهور البدع وانتشارها ، وأكثرها تفشَّى بعد سقوط الدولة الأُموية الراشدة ..
وبذلك يصحُّ القول تأصيلاً : إنَّ القرون المفضَّلة الثلاثة الأولى تنتهي عملياً عند سنة 132 هـ ، وهي سنة سقوط الدولة الأموية في المشرق ، إذ إنَّ هذا التاريخ يُنهي الجيل الثالث الذي شهد له نبينا صلَّى الله عليه وسلَّم بالخيرية.
الأستاذ : وليد الزهراني







إرسال تعليق